قبل أيام، شهدت مدينة لاس فيغاس الأميركية انطلاق معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES 2026 وهو المعرض الذي يرسم ملامح المستقبل التقني من خلال التركيز على الاندماج الكامل للذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية.
وقد تميز هذا العام ببروز مفهوم "الذكاء الاصطناعي الفيزيائي" الذي ينقل التقنية من مجرد شاشات ودردشة برمجية إلى كائنات ملموسة تتفاعل مع البيئة المحيطة، وهو ما انعكس بوضوح في القطاعات الرئيسة التي شملت الروبوتات، والصحة الرقمية، والمنزل الذكي.
يتجه مستقبل الذكاء الاصطناعي الفيزيائي نحو كسر آخر حاجز بين الخوارزميات والعالم الملموس، حيث لن يظل الذكاء الاصطناعي حبيس الشاشات أو محصورا في تحليل البيانات، بل سيصبح عنصرا فاعلا داخل البيئة التي نعيش فيها، إذ لن تكتفي الآلات بتنفيذ أوامر مبرمجة، بل ستتعلم من الحركة والاحتكاك والخطأ، وتكون فهما ديناميكيا للمكان والزمن والأخطار.
وفي هذا المستقبل، ستعمل الروبوتات والمركبات الذاتية القيادة والبنية التحتية الذكية كأنظمة واعية بالسياق، قادرة على التكيف مع مواقف غير متوقعة واتخاذ قرارات لحظية لها تبعات حقيقية. ولن يغير الذكاء الاصطناعي الفيزيائي شكل الصناعة والنقل فقط، بل سيعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، حيث تصبح الآلة شريكا عمليا في العالم الواقعي، لا مجرد أداة رقمية تعمل في الخلفية.
في المعرض، خطف الروبوت البشري الجديد Atlas من شركة "بوسطن ديناميكس" الأنظار في أول ظهور علني له، حيث استعرض قدرات حركية مذهلة وتطبيقات عملية في مجالات المناولة والتصنيع، مما يشير إلى قرب دخوله لبيئات العمل الحقيقية، إلا أن شركة الرقاقات العملاقة "إنفيديا" قررت إرسال رسالة واضحة وحاسمة وغير تقليدية لا تتعلق فقط باستعراض لرقاقات أسرع أو معالجات أقوى، بل كإعلان صريح لتحول استراتيجي عميق في مفهوم الذكاء الاصطناعي ذاته.
رسائل واضحة
فللمرة الأولى، لم يعد التركيز منصبا على الحوسبة ومراكز البيانات والشرائح الإلكترونية، بل على انتقال الذكاء الاصطناعي من الشاشات والخوادم إلى العالم المادي، حيث تتحرك الآلات، وتتفاعل مع البشر، وتعمل داخل المصانع والطرق والمخازن والمدن.
الرسالة التي بعثت بها "إنفيديا" هذا العام كانت واضحة وحاسمة، فالذكاء الاصطناعي القادم لن يقتصر على فهم النصوص أو توليد الصور، بل سيصبح قادرا على إدراك المكان والحركة والأخطار والزمن، واتخاذ قرارات داخل بيئات حقيقية، معقدة، وغير قابلة للتنبؤ. هذا هو ما تصفه "إنفيديا" بالذكاء الاصطناعي الفيزيائي، وهو الجيل الذي يحول الروبوتات والمركبات والطائرات المسيرة إلى كيانات ذكية قادرة على العمل في الواقع الملموس، لا في الفضاء الرقمي وحده.


