الترجمة فعل تواصلي قبل أن تكون مهارة لغوية، فهي ليست نقلا لكلمات بين لغتين، بل إعادة بناء لرسالة موجهة إلى قارئ جديد داخل سياق ثقافي مختلف. من هنا يصبح المعنى متعدد المستويات، لأن المترجم يتعامل في آن واحد مع معنى معجمي ونحوي وسياقي وتداولي، ولا يكفيه فهم القاموس ما لم يمتلك حسا بالمقصد والوظيفة. ولهذا أيضا لا يمكن الحديث عن تطابق كامل بين النص الأصلي والنص المترجم، فالتكافؤ درجات يختارها المترجم بحسب طبيعة النص وغايته وجمهوره. الترجمة الجيدة تنطلق من النص بوصفه وحدة دلالية كاملة لها نبرة وبنية ومقصد، ولا تأتي من جمل مفردة معزولة تفقد معناها حين تفصل عن كليتها.
في هذا الأفق يغدو المترجم فاعلا مؤولا لا ناقلا محايدا، لأن كل قرار ترجمي هو في العمق قرار فكري وأسلوبـي يتحمل صاحبه مسؤوليته. هذه المبادئ لا تضيء طبيعة الترجمة الإنسانية فقط، بل تفتح أيضا سؤالا معاصرا حادا حول ما الذي ينجزه الذكاء الاصطناعي فعلا حين يترجم، وما الذي يبقى خارج قدرته مهما بلغت دقته التقنية.
فلنعد إلى قولنا إن الترجمة في جوهرها فعل تواصلي قبل أن تكون مهارة لغوية، فهي ليست نقلا لكلمات من لغة إلى أخرى، بل إعادة بناء لرسالة موجهة إلى قارئ جديد داخل سياق ثقافي مختلف. لهذا يصبح المعنى فيها متعدد المستويات، إذ يتعامل المترجم مع المعنى المعجمي والنحوي والسياقي والتداولي في آن واحد، ولا يكفيه أن يحسن استعمال القاموس ما لم يحسن قراءة المقصد.
ومن هنا يتضح أن التكافؤ بين النص الأصلي والنص المترجم ليس تطابقا آليا، بل درجات يختارها المترجم بحسب الغاية من الترجمة وطبيعة النص وجمهوره. كما أن وحدة العمل ليست الجملة المعزولة، بل النص بوصفه كلا متكاملا له نبرة ومقصد وبنية داخلية. في هذا الأفق يغدو المترجم فاعلا مؤولا لا ناقلا محايدا، ويتحمل مسؤولية قراراته الدلالية والأسلوبية، لأن كل اختيار ترجمي هو في العمق اختيار فكري.
الذكاء الاصطناعي اليوم يبرع في مستوى معين من هذه العملية. يستطيع أن يحلل البنية النحوية بدقة عالية، ويقترح المقابل المعجمي المناسب، ويأخذ في الحسبان السياق القريب للجملة والفقرة، بل يمكنه في كثير من الأحيان أن ينتج نصا عربيا سليما وأنيقا في ظاهره. لهذا أصبحت ترجمته في النصوص الإخبارية والعلمية والتقنية مقبولة إلى حد كبير، لأنها نصوص تقوم أساسا على نقل معلومات واضحة، ولا تعتمد كثيرا على الإيحاء أو الغموض المقصود.
التكافؤ بين النص الأصلي والنص المترجم ليس تطابقا آليا، بل درجات يختارها المترجم بحسب الغاية من الترجمة وطبيعة النص وجمهوره
لكن الترجمة ليست دائما نقلا لمعلومة فقط، بل قد تكون نقلا لتجربة أو لرؤية للعالم. هنا تبدأ حدود الذكاء الاصطناعي بالظهور. النص الأدبي والفلسفي والديني لا يضع كل شيء على السطح، بل يعمل بالإشارة بقدر ما يعمل بالتصريح، وبالمعنى المباشر. والقارئ يتأثر بإيقاع اللغة، ويتفاعل مع طبقات متعددة من الدلالة. هذه الطبقات لا تختزل بسهولة إلى أنماط قابلة للحساب.
عندما يترجم الإنسان نصا فلسفيا مثلا، فإنه لا يبحث فقط عن المقابل اللغوي، بل يتخذ موقفا تأويليا من المفاهيم نفسها. اختيار ترجمة معينة لمصطلح ما هو إعلان ضمني عن فهم معين لهذا المصطلح. لذلك نجد أن الترجمات الكبرى للنصوص الفلسفية تختلف فيما بينها اختلافا عميقا، لا بسبب ضعف لغوي، بل بسبب اختلاف في الرؤية والفهم. الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ تطوره، لا يمتلك موقفا ولا رؤية، بل يعيد تركيب أنماط تعلمها من ملايين النصوص السابقة.
ثم إن الترجمة مسؤولية أخلاقية أيضا. المترجم يتحمل تبعات ما ينقله، لأنه يعلم أن كلمته قد تؤثر في فهم قارئ، أو تشكل رأيا، أو تنقل فكرة حساسة. لهذا يتردد أحيانا، ويعيد الصياغة، ويتوقف أمام عبارة غامضة، ويسأل نفسه هل أنقلها كما هي أم أشرحها أم أترك غموضها كما أراده المؤلف. هذا التردد ليس ضعفا، بل هو جزء من أمانة الترجمة. أما الذكاء الاصطناعي فلا يعرف التردد بوصفه موقفا أخلاقيا، بل يعرف فقط الترجيح الإحصائي بين احتمالات لغوية.
ومع ذلك فإن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصما للمترجم الإنساني رؤية سطحية. الأصح أن ينظر إليه بوصفه أداة جديدة قوية يمكن أن ترفع من مستوى العمل إذا أحسن استخدامها. يستطيع المترجم اليوم أن يستعين به في المسودات الأولى، وفي اقتراح البدائل، وفي تسريع العمل التقني، لكنه يظل محتاجا إلى عقله وذائقته وخبرته ليعيد بناء النص بناء حقيقيا. الذكاء الاصطناعي يشبه آلة موسيقية متطورة، لكنه لا يصبح موسيقى إلا حين تمسه يد موسيقي واع.
المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في الوهم الذي قد يصاحبها. حين يظن القارئ أن النص المترجم آليا مكافئ تماما للنص الأصلي، فإنه يغفل عن أن كثيرا من الفروق الدقيقة قد ضاعت دون أن يشعر. الخطر هنا ليس في الخطأ الواضح، بل في الخطأ الأنيق، الذي يمر سلسا في اللغة لكنه يغير المعنى أو يخفف عمقه أو يسطحه. هذا النوع من الخلل لا ينتبه إليه إلا قارئ خبير أو مترجم متمرس.
لهذا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد غير مشهد الترجمة جذريا، لكنه لم يلغ جوهرها الإنساني. فالترجمة ستظل في عمقها فعلا من أفعال الفهم، والفهم ليس عملية حسابية فقط، بل علاقة حية بين ذات تقرأ وتكتب وتجربة تعاش داخل اللغة. التقنية يمكن أن تحسن الأدوات، لكنها لا تخلق المعنى من عدم ولا تمنح النص روحه.
الذكاء الاصطناعي قد غير مشهد الترجمة جذريا، لكنه لم يلغ جوهرها الإنساني. فالترجمة ستظل في عمقها فعلا من أفعال الفهم، والفهم ليس عملية حسابية فقط
في النهاية، الترجمة الجيدة ليست مجرد نص صحيح لغويا، بل نص صادق في علاقته بروح الأصل. هذا الصدق لا يقاس بالخوارزميات وحدها، بل يقاس بوعي المترجم، وبأمانته، وبقدرته على أن يصغي إلى ما يقوله النص وما لا يقوله في آن واحد.