الرقيب وبتر الحب

الرقيب وبتر الحب

استمع إلى المقال دقيقة

لماذا لا يعد الحب فعلا بريئا في نظر السلطات؟ هل لأن الكتابة لم تكن يوما مساحة آمنة في تاريخ الكتابة نفسه؟ كلاهما، الحب والكتابة، يثيران الريبة حين يمارسان خارج القوالب المطمئنة، وحين يرفضان أن يكونا خاضعين لتوقعات مسبقة. ولعل من أكثر الأمثلة إيلاما في تراثنا العربي ما تعرض له كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، لا من المنع الصريح، بل من البتر المؤجل.

قرأت ما كتب حول المخطوط الأصلي للكتاب، من أن بعض أشعاره حذفت في مرحلة لاحقة، على يد ناسخ جاء بعد وفاة المؤلف بقرون. لم يكن هذا الناسخ رقيب دولة، ولا صاحب سلطة سياسية، بل كان شخصا ظن بحسن نية أو بخوف، أن بعض ما كتب لا يليق أن يقرأ، وهنا تكمن المفارقة: الرقابة لم تمارس باسم القانون، بل باسم الفضيلة، لينقل ذلك الرقيب الرقابة من السماء إلى خوفه الشخصي. وبحسب المترجمين والباحثين والدارسين الكبار، حول مخطوطة طوق الحمامة الموجودة في مكتبة "ليدن"، فهي ليست النسخة الكاملة، وقد تكون مختصرة أو منقوصة، وسقوط مواد شعرية منها، أمر وارد، لكن تحديد مقدار ما سقط وزمنه بدقة، يحتاج قرائن مخطوطية أخرى أقوى.

أما ابن حزم الأندلسي فقد وضع "طوق الحمامة" في زمن كان فيه الأدب يقرأ بوصفه معرفة بالنفس الإنسانية، لا مادة للفضيحة أو الاتهام، فكتابه ليس سردا للجسد، ولا دعوة إلى الانفلات، بل تأمل عميق في الحب بوصفه تجربة إنسانية من الألفة والشوق والفقد والوفاء وألم الفراق. أي إنه كتب عن الحب أدبا لا إثارة، وعلما لا اعترافات مبتذلة. والأهم أنه لم يكتب وهو يخشى رد فعل القارئ، ولم يتخيل سلطة دنيوية تراقبه. رقابته كانت داخلية، أخلاقية، مستمدة من إيمانه بمساءلة أعلى، لا تخدع بالحذف ولا بالمواربة.

لهذا جاء نصه مطمئنا في صدقه، واضحا في لغته، خاليا من الاعتذار، وحين يأتي ناسخ لاحق ليحذف أشعارا من هذا الكتاب، فإن الفعل لا يمكن اعتباره تهذيبا للنص، بل إعادة صياغة له وفق معايير زمن آخر. والجريمة هنا ليست الحذف فقط، بل افتراض أن النص لا يحتمل اكتماله، وأن القارئ لا يستحقه كاملا. إنها رقابة مؤجلة، لكنها أشد قسوة، لأنها تمارس على نص لم يعد صاحبه قادرا على الدفاع عنه.

إنها رقابة مؤجلة، لكنها أشد قسوة، لأنها تمارس على نص لم يعد صاحبه قادرا على الدفاع عنه

المفارقة أن كثيرا من المجتمعات اليوم، كالصين مثلا، تختار أن لا تترجم نصوصا غربية بعينها، انسجاما مع تاريخها ومنظومتها الاجتماعية القيمية، وهذا خيار ثقافي مفهوم، لكنها لا تحذف من تراثها هي، ولا تشكك في نصوصها المؤسسة. أما نحن، فأصبحنا نرتاب أحيانا بنصوص كتبناها بأنفسنا في ذروة ازدهارنا الحضاري. ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: متى تحول الحب إلى شبهة؟ ومتى أصبحت الكتابة فعلا يستوجب الدفاع المسبق؟ القارئ العربي اليوم يختلف عن قارئ قرطبة قبل ألف عام، ولم يعد شريكا في المعنى، بل كثيرا ما يستدعى ليكون قاضيا أخلاقيا، أو رقيبا بالنيابة.

إن بتر "طوق الحمامة" ليس حادثة مخطوطية عابرة، بل علامة على لحظة فقدنا فيها الثقة بالنص وبالقارئ، وبأن تراثنا كان قادرا على احتواء الإنسان كما هو، فحين يبتر الحب من الكتابة، لا نحمي القيم، بل نفرغها من إنسانيتها، ولعل أخطر ما في الرقابة، قديمها وحديثها، أنها لا تقتل النص دفعة واحدة، بل تسمح له بالبقاء بعد أن تنزع روحه.

font change