هيمنت هواجس الأمن الأوروبي والعلاقات الحذرة عبر الأطلسي على الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونيخ للأمن في حقبة "اهتزاز النظام الدولي". وكان من اللافت في هذا المنتدى عرض فرنسا وألمانيا لرؤيتيهما حول أوروبا، ويكتسب ذلك أهمية لأن برلين وباريس شكلتا منذ ستينات القرن الماضي المحرك الأساسي للعمل الأوروبي المشترك وإنجازاته.
بيد أن تراكم الخلافات بين أكبر قوتين أوروبيتين منذ نهاية حكم المستشارة أنغيلا ميركل، ألقى بظلاله على أداء الاتحاد الأوروبي وتطوير السياسات المشتركة. ومما لا شك فيه أن التنافس الضمني على الزعامة الأوروبية وصنع القرار الأوروبي يعطلان التفاعل الفرنسي-الألماني. وزيادة على ذلك، يتعقد التناقض بين الطرفين في زمن دونالد ترمب وفلاديمير بوتين. في المقابل، تفرض التحديات التي تواجهها القارة العجوز ترتيب العلاقات الفرنسية-الألمانية، وبلورة مقاربة أوروبية مشتركة كي لا تكون أوروبا القطب الغائب في مواجهة لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر، حيث لم يعد النظام العالمي قادرا على ضبط توازنات القوة، واحتدام الحروب الاقتصادية والتكنولوجية، تمهيدا لتوزيع جديد للنفوذ العالمي.
التصدع الفرنسي-الألماني
في إطار "الفوضى الاستراتيجية" وإعادة تشكيل النظام الدولي، يبدو تهميش أوروبا من الفرضيات الجديدة، خاصة أن القطب الجيوسياسي لم يتكون في ظل الخلاف على الرؤية حيال تطوير أوروبا بين محركيها الرئيسين الفرنسي والألماني.
تدل إحصاءات حديثة على أن الاتحاد الأوروبي، يعتبر القوة التجارية الأولى في العالم، إذ استقطب ما يقرب من 16 في المئة من التجارة الدولية في السلع والخدمات في عام 2024. ولم يكن ذلك ليحصل من دون ثقل السوق المشتركة التي تضم 450 مليون شخص، ومن دون إنشاء العملة الموحدة بفضل جهود الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في تلك الحقبة. وهكذا مثّلت الشراكة الفرنسية الألمانية قوة دافعة لأوروبا، وقد تكرر الأمر مع إقرار القرض الكبير الذي أعقب جائحة "كوفيد-19" بفضل جهود أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون.

