مستقبل الثنائي الفرنسي-الألماني والصراع على الزعامة الأوروبية

يعطل تراكم الخلافات "المحرك الفرنسي-الألماني" ويهدد صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي

أ ف ب
أ ف ب
المستشار الالماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون اثناء مشاركتهما في القمة الاوروبية غير الرسمية في قلعة آلدن بيسن في بلجيكا في 12 فبراير

مستقبل الثنائي الفرنسي-الألماني والصراع على الزعامة الأوروبية

هيمنت هواجس الأمن الأوروبي والعلاقات الحذرة عبر الأطلسي على الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونيخ للأمن في حقبة "اهتزاز النظام الدولي". وكان من اللافت في هذا المنتدى عرض فرنسا وألمانيا لرؤيتيهما حول أوروبا، ويكتسب ذلك أهمية لأن برلين وباريس شكلتا منذ ستينات القرن الماضي المحرك الأساسي للعمل الأوروبي المشترك وإنجازاته.

بيد أن تراكم الخلافات بين أكبر قوتين أوروبيتين منذ نهاية حكم المستشارة أنغيلا ميركل، ألقى بظلاله على أداء الاتحاد الأوروبي وتطوير السياسات المشتركة. ومما لا شك فيه أن التنافس الضمني على الزعامة الأوروبية وصنع القرار الأوروبي يعطلان التفاعل الفرنسي-الألماني. وزيادة على ذلك، يتعقد التناقض بين الطرفين في زمن دونالد ترمب وفلاديمير بوتين. في المقابل، تفرض التحديات التي تواجهها القارة العجوز ترتيب العلاقات الفرنسية-الألمانية، وبلورة مقاربة أوروبية مشتركة كي لا تكون أوروبا القطب الغائب في مواجهة لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر، حيث لم يعد النظام العالمي قادرا على ضبط توازنات القوة، واحتدام الحروب الاقتصادية والتكنولوجية، تمهيدا لتوزيع جديد للنفوذ العالمي.

التصدع الفرنسي-الألماني

في إطار "الفوضى الاستراتيجية" وإعادة تشكيل النظام الدولي، يبدو تهميش أوروبا من الفرضيات الجديدة، خاصة أن القطب الجيوسياسي لم يتكون في ظل الخلاف على الرؤية حيال تطوير أوروبا بين محركيها الرئيسين الفرنسي والألماني.

تدل إحصاءات حديثة على أن الاتحاد الأوروبي، يعتبر القوة التجارية الأولى في العالم، إذ استقطب ما يقرب من 16 في المئة من التجارة الدولية في السلع والخدمات في عام 2024. ولم يكن ذلك ليحصل من دون ثقل السوق المشتركة التي تضم 450 مليون شخص، ومن دون إنشاء العملة الموحدة بفضل جهود الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في تلك الحقبة. وهكذا مثّلت الشراكة الفرنسية الألمانية قوة دافعة لأوروبا، وقد تكرر الأمر مع إقرار القرض الكبير الذي أعقب جائحة "كوفيد-19" بفضل جهود أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون.

يدفع قصر الإليزيه باتجاه تضامن الديون لتمويل الاستثمارات الأوروبية. وتدافع باريس عن النهج الفيدرالي الذي أوصى به ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي

يحصل العكس حاليا، حيث تشهد العلاقات بين فرنسا وألمانيا انقسامات سياسية عميقة، خصوصا حول الاقتصاد وإصلاح الاتحاد الأوروبي، والدفاع، والاتفاقيات مع التكتلات الاقتصادية الأخرى.
وقد تجلت الهوة السحيقة بين فرنسا وألمانيا في الملف الاقتصادي، وتحديدا في اتفاق التجارة مع دول أميركا الجنوبية (ميركوسور). بالنسبة لألمانيا، الدولة التي يعتمد اقتصادها على التصدير الصناعي، يعتبر هذا الاتفاق شريان حياة لفتح أسواق جديدة في ظل العقبات مع موسكو وواشنطن. لكن فرنسا كانت تنظر للأمر من زاوية مختلفة تماما: زاوية التهديد الوجودي لقطاع الزراعة والانعكاسات السياسية.
من الواضح أن ألمانيا تخشى أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى كتلة مثقلة بالديون، بينما تخشى باريس أن تفرض برلين انضباطا ماليا يؤدي لانفجار اجتماعي في فرنسا.

خلافات حول تجميع الاقتراض الأوروبي 

يُظهر الاقتصاد الأوروبي مرونة ملحوظة. ففي عام 2025، بلغ النمو في منطقة اليورو 1.5 في المئة، مقارنة بـ0.9 في المئة في العام السابق. لكن أزمة المديونية تبقى كبيرة (وصلت ديون فرنسا وحدها إلى حوالي 3.9 تريليون يورو) وتسبب شرخا بين باريس وبرلين. ومن هنا يُعدّ النقاش حول شكل جديد من أشكال تجميع الديون (سندات اليورو) نقطة خلاف رئيسة.
يدفع قصر الإليزيه باتجاه تضامن الديون لتمويل الاستثمارات الأوروبية. وتدافع باريس عن النهج الفيدرالي الذي أوصى به ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي.
وركز إيمانويل ماكرون على أن أوروبا يجب أن تستثمر بقوة في مجالات الأمن والدفاع، وتقنيات التحول الأخضر، والذكاء الاصطناعي، حتى تتمكن من اللحاق بالصين والولايات المتحدة.

 أ ف ب
الرئيس الاميركي دونالد ترمب والى يمينه نظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون يستمعان الى الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي وبدا الى يمين الصورة الرئيس الفنلندي الكسندر ستوب اثناء اجتماع في البيت الابيض في 25 اغسطس

في المقابل، تتمسك برلين بنهج الأرثوذكسية النقدية لكل بلد. وحديثا، انتقد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الإنفاق الفرنسي المحدود في مجال الدفاع، داعيا باريس إلى بذل مزيد من الجهود لترجمة الدعوات لتعزيز السيادة الأمنية في أوروبا إلى قدرات فعلية. وتعكس هذه التعليقات توتّرا في العلاقات بين العملاقين الأوروبيين.

والجديد أنه لأول مرة تحاول ألمانيا إيجاد بديل عن فرنسا في سعيها لقيادة الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار أيدت برلين وروما "إنشاء بورصة أوروبية موحدة، وسوق ثانوية أوروبية موحدة، ومراجعة متطلبات رأس المال للقروض دون المساس بالاستقرار المالي". إلا أن ذلك لا يمنع البعض في باريس وبرلين من الشك بأن تكون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني "وسيلة" دونالد ترمب لاختراق وحدة الموقف الأوروبي حول الرسوم الجمركية، علما أن استراتيجية إدارة ترمب تعول على أنصار أفكارها من اليمين وأقصى اليمين في أوروبا.

مستقبل أوروبا وعلاقتها بالولايات المتحدة 

وفي هذا الوقت الذي تتعرض فيه أوروبا لضغوط من "الإمبراطوريات الجديدة" (الولايات المتحدة والصين وروسيا) كما يلمح أكثر من مسؤول فرنسي، يتبنى ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس نظرتين مختلفتين لمستقبل القارة العجوز.
تدافع فرنسا باستمرار عن أوروبا ذات سيادة ملتزمة بـ"استقلالها الاستراتيجي"، وهو مصطلح صاغه الرئيس الفرنسي عام 2017. أما المستشار الألماني، فيدعو إلى حل وسط يجمع بين تعزيز استقلال الاتحاد الأوروبي والحفاظ على الروابط التاريخية بالولايات المتحدة.
ويبدو أن ميرتس غيّر رأيه حيث إنه خلال الانتخابات في فبراير/شباط 2025، كان قد طالب بتحقيق أوروبا تدريجيا "لاستقلال حقيقي عن الولايات المتحدة"، وشكل هذا اعترافا بالعجز لأن أوروبا، برأي الكثير من العواصم الأوروبية، لن تتمكن قبل عدة سنوات من ضمان أمنها بوسائلها الخاصة، ولا تزال بحاجة للشراكة عبر الأطلسي بسبب الحقائق الجيوسياسية القاسية، وصعوبات بناء "أوروبا مستقلة" من دون " الأخ الأكبر" أو "الوصي الأميركي". 

أي دفاع أوروبي مشترك؟ 

ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة الحاجة الملحة لتحمل أوروبا مسؤولية الدفاع عن نفسها في مستقبل قريب لأن المظلة الأميركية لن تكون أبدية، ولأن معادلات جديدة فرضتها حرب أوكرانيا والتوتر حول غرينلاند. وبالفعل، ستبقى أوكرانيا القضية المركزية في خطاب الأمن الأوروبي حتى إشعار آخر. 
وفي مسألة الصناعة العسكرية يسجل حذر بين فرنسا وألمانيا حيال مشروع مقاتلات أوروبية من الجيل الجديد إذ تتهّم الشركات والاتحادات الألمانية مجموعة "داسو" الفرنسية للملاحة الجوية بالسعي إلى فرض شروطها.
إزاء احتمال تلاشي الدور الأميركي في حلف "الناتو"، يتضح أنه لم يعد بإمكان الأوروبيين تفويض عملية صنع القرار المتعلقة بالردع النووي إلى الولايات المتحدة نظرا لانتهاء نظام ما بعد 1945. ومن هنا بدأ التطرق إلى "ردع نووي أوروبي متكامل" استنادا إلى القدرات النووية للقوتين الأوروبيتين، فرنسا وبريطانيا. وينتظر إلقاء ماكرون خطابا حول هذا الموضوع في السابع والعشرين من هذا الشهر. 
وتعتبر مسألة التمويل من أبرز عناصر الخلاف الفرنسي-الألماني. وفي هذا السياق، تُثير الموارد التي تُخصصها برلين لإعادة تسليحها، قلقا في فرنسا، التي تساورها مخاوف من أن تتصرف ألمانيا بشكل أحادي، مُفضلة صناعاتها الخاصة. 

تعتبر مسألة التمويل من أبرز عناصر الخلاف الفرنسي-الألماني. وفي هذا السياق، تُثير الموارد التي تُخصصها برلين لإعادة تسليحها، قلقا في فرنسا

وبينما تبدي باريس حذرا مبالغا به بسبب ثقل عبء التاريخ بين البلدين، يشدد ميرتس على أن "سياسة القوة العظمى في أوروبا ليست خيارا لألمانيا". إلا أن الأهم يبقى في بلورة رؤية مشتركة للدفاع داخل الاتحاد أو بين "مجموعة من الدول الراغبة". وهنا يبرز اقتراح تكوين "نواة صلبة" تطرحه فرنسا وألمانيا وبلجيكا وتتحفظ عليه دول من الشمال الأوروبي والمجر.

أ ف ب
جنود ألمان يصعدون الى متن طائرة تغادر مدينة نيوك في غرينلاند في 18 يناير

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر طرح خلال مؤتمر ميونيخ فكرة قيام "ناتو أوروبي". ولذا بالرغم من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يستبعد خلق رابطة دفاعية مع دول من القارة في حال تأكد التباعد مع الولايات المتحدة والذي يفرض في كل الأحوال على الأوروبيين تفادي رفاهية الانقسام. ومن الواضح أن أوروبا لن تصمد إلا إذا وقفت الدول الأوروبية معا بشكل أوثق مما كانت عليه في الماضي.
زيادة على كل ما ذكرناه أعلاه، يبدو أن ألمانيا المتحفظة على استبدال الردع النووي الأميركي بالردع النووي الأوروبي المستقل المعتمد على القدرات الفرنسية، تطالب ضمنا بتقاسم هذه القدرات وبتقاسم مقعد فرنسا الدائم في مجلس الأمن الدولي. هكذا بالرغم من كل التاريخ المعاصر المشترك منذ المصالحة الكبرى بين شارل ديغول وكونراد أديناور، لا يزال شبح التاريخ الصعب حاضرا بين هاتين القوتين الأوروبيتين.
في الخلاصة، يعطل تراكم الخلافات "المحرك الفرنسي-الألماني" ويهدد صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي. أما تشكيل محاور متقابلة ضمن الاتحاد الأوروبي أو الاستعجال في طرح الفيدرالية فلا يشكلان حلولا سحرية. ويبقى الأفضل التفتيش عن تسويات كما جرت العادة تاريخيا من خلال التدرج والقضم وتوافر الإرادة السياسية. ومما لا شك فيه أن الوضع "الانتقالي" لفرنسا قبل سنة من الانتخابات الرئاسية في 2027، والتردد الألماني حول استقلالية أوروبا ليسا من العوامل المساعدة للاستنهاض الأوروبي على المدى القصير.

font change