فيض الحرية والعوز الليبرالي

في دولة قائمة على فكرة الحريات السياسية والعامة مثل لبنان، كيف يُمكن فهم وتفسير هذا المسار من التقاسم الديني والطائفي لكل مؤسسات الدولة، دون أن يتأسس تيار أو تنظيم قادر على بلورة معارضة وازنة له؟

فيض الحرية والعوز الليبرالي

استمع إلى المقال دقيقة

لأسباب تاريخية مركبة، على رأسها ما حدث سياسياً وإعلامياً خلال العقدين المنصرمين، تمكن الكثير من مجتمعات بلداننا من كسب مساحات معقولة من الحريات، حقوقاً واضحة في ممارسة أنماط خيارات العيش والممارسات المدنية، وكمّاً لا يُستهان به من القدرة على التعبير عن الذات والآراء، بما في ذلك بعض القطاعات التي كانت شديدة المحافظة والتخصص والاحتكار، مثل الشؤون السياسية والآراء الدينية وحقوق النساء.

لكن المجتمعات نفسها، ومع الإقرار بكل ذلك، تفتقد تماماً لأية "ليبرالية"، بما تعنيه الأخيرة من "أيديولوجيا الحرية" وتنظيمها وقوننتها والقدرة على الدفاع عنها لو مُسَّت. سواء على المستوى الفكري أو الثقافي، عبر نضال النُخب ودفاع الطبقات الاجتماعية الأفضل تعليماً والأكثر مركزية عن الحرية باعتبارها قيمة عليا وأولية وأساسية لكل إنسان. أو على المستوى السياسي، عبر الأحزاب والتنظيمات المدنية، التي من المفترض أن تسعى مستميتة لتحويل "أيديولوجيا الحرية" تلك إلى بنية تحتية للقوانين والأنظمة والأعراف السياسية العامة، أو خلق مناخ عام يعتبر المس بأركانها الجوهرية استهدافاً للأمن الوطني والسلام الاجتماعي.

منذ سنوات عديدة، يُقدم العراق نموذجاً واضحاً عن تلك الثنائية. ففي هذا البلد ثمة فيض من الحريات العامة، وفي مختلف القطاعات، فهو بلد دون سجناء سياسيين ولا تشهد حياته العامة أي محق أمني، ويمارس مواطنوه حقهم في انتخاب هيئات السلطة والحُكم بكل إرادة حُرة، وتبث وسائل إعلامه موادها بكل حرية. لكن، ومع كل ذلك، ليس في العراق أي تيار أو جماعة سياسية أو تنظيمات مدنية تدافع عن الليبرالية كقيمة عليا.

فقبل عامين تقريباً، قررت القوى السياسية الحاكمة إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية، متخم بكل أشكال النكوص عن القانون الصادر عام 1959 والمعمول به حتى وقتئذ، وتضمن القانون الجديد مساً واضحاً بحقوق النساء والأطفال، ووضع أشكالاً من رقابة وسلطة رجال الدين على الحياة الخاصة، وحوّل الحياة العائلية إلى بؤرة لهيمنة الذكور، وفرّق بين المواطنين العراقيين على أساس الدين والطائفة، لم تتجاوز الاعتراضات على القانون بعض الأفراد من المثقفين والحقوقيين، دون أن تتحرك أية قوى سياسية أو تنظيمات مدنية نحو بلورة رد سياسي وثقافي ومجتمعي عام، قادر على كبح هذا التجاوز على أبرز مضامين وأعراف وقيم الليبرالية.

رغم كل أشكال الحريات المدنية والديمقراطيات السياسية في تركيا، لم يشهد هذا البلد تياراً سياسياً وفكرياً يدافع عن أبسط الحريات الليبرالية الأولية، مثل حق ملايين المواطنين الأكراد التعلم بلغتهم الأم

لا يقتصر الأمر على العراق فحسب، فكل بلدان منطقتنا تقدم نماذج مركبة عن ذلك التناقض. ففي دولة قائمة على فكرة الحريات السياسية والعامة مثل لبنان، كيف يُمكن فهم وتفسير هذا المسار المستدام من التقاسم الديني والطائفي لكل مؤسسات الدولة وأدوات السلطة، دون أن يتأسس تيار سياسي أو تنظيم مدني قادر على بلورة معارضة وازنة له؟ وفي أماكن أخرى مثل تركيا، ثمة تجربة عمرها قرن كامل، تحتوي كل أشكال الحريات المدنية والديمقراطيات السياسية، مدعومة باستقلال واضح لمؤسسات القضاء وحق مصون في الإعلام. لكن مع كل ذلك، لم يشهد هذا البلد تياراً سياسياً وفكرياً يدافع عن أبسط الحريات الليبرالية الأولية، مثل حق ملايين المواطنين الأكراد التعلم بلغتهم الأم.
لا يقتصر الأمر على الدول والتجارب السياسية فحسب، بل يمتد لكل مناحي وأشكال الحياة العامة في مجتمعات بلداننا. فكيف يُمكن مثلاً فهم السلوك العام لعشرات الآلاف من أثرياء بلداننا، الذين تقتصر مساهمتهم في الشأن العام على ممارسة بعض "الخير"، عبر الجمعيات والهبات والصدقات للطبقات الاجتماعية الفقيرة، في ممارسة عامة لا تتجاوز الخيال والتطلعات ذات البُعد "الريفي".
فهؤلاء "الأغنياء" لا يملكون أي إحساس بالواجب أو أي نازع فكري أو ممارسة عامة تجاه الطبقات والتنظيمات والجهات التي تُصنف نفسها كمدافعة وداعمة للحريات العامة والقيم الليبرالية، في قطاعات الفنون والثقافة والعلوم الإنسانية ووسائل الإعلام والمنظمات المدنية والحقوقية والمدافعة عن حقوق النساء والمناخ والتوعية الحقوقية... إلخ. هل من تفسير لذلك سوى العوز الشديد لوعي هذه الطبقات الميسورة إلى كل ما يمت لليبرالية كقيمة وأداة وخيار. في تناقض واضح مع التجربة العالمية، حيث كانت الليبرالية تاريخياً الابنة الشرعية لمرحلة "الوفرة الفائضة" التي شهدها الغرب الأوروبي منذ أوائل القرن الثامن عشر، حين تمركزت بالتقادم كخيار أعلى لأعضاء طبقة البرجوازيين المركزيين الأغنياء. 
قاموس الحياة العامة ووسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي والخطابات السياسية والمنتجات الثقافية في بلداننا وكل تفصيل آخر من حياتنا العامة فقير بكل ما يمت للعبارات والأفكار والحوادث والنماذج والطروحات والرؤى والحكايات والسرديات الليبرالية، مثلها أيضاً القوانين القضائية والتشريعات الدستورية والجنائية والمناهج المدرسية وبُنى التعليم الجامعي، حتى في أكثر البلدان حصولا على الحريات العامة. 
ثمة تفسيرات متعددة يمكن تقديمها لفهم هذه الظاهرة، كنوعية مجتمعاتنا المتأتية من خلفيات "محافظة للغاية"، ريفية عشائرية وغير منتجة وكثيرة الاعتداد بالتراتبية المجتمعية "الهيراركية"، مضاف إليها ما يعتريها من إحساس مرضي بمركزية "زائفة"، معادية للغرب قيمياً وثقافياً، بناء على الصراع السياسي معه منذ أوائل القرن العشرين. وإلى جانبها أسباب مثل طفح الروح النضالية وهيمنة الماركسية المعادية لما سواها على مخيلة النُخب الثقافية والمعرفية مطولاً، مقابل خضوع الطبقات الميسورة لترتيبات السلطات الحاكمة وخطابات رجال الدين والخيارات الذكورية. 
كل تلك الأشياء التي تقول إن الحريات المكتسبة مجرد مادة خام وسائلة، لا يُمكن بناء أية هيكلية أو صمام أمان منها، فهي لا تؤسس لما سواها وما يتجاوزها قيمة وقدرة، أي الليبرالية السياسية والمجتمعية، التي أسست، وإن بشكل غير مباشر، لكل ما في الدول الحديثة والديمقراطية وصاحبة التجارب الوحيدة من "السلام الاجتماعي المستدام"، من أدوات قادرة على حماية تجارب هذه الدول.

font change