يعود النقاش حول فكرة "التوسع" إلى الواجهة، مع تصاعد الحديث عما يسمى "إسرائيل الكبرى" وحدود تمتد نظرياً من النيل إلى الفرات. وهذا يثير سؤالاً مختلفاً، هل يخدم ذلك مصلحة إسرائيل ذاتها، وفق منطقها الداخلي ومشروعها السياسي القائم على دولة ذات طابع يهودي؟ الإجابة المنطقية، وفق حقائق الديموغرافيا والواقع السياسي، تشير إلى عكس ذلك تماماً.
جوهر المشروع الإسرائيلي قام على فكرة "الدولة اليهودية"، أي دولة ذات أغلبية يهودية وفق هويتها الدينية والثقافية، وأي توسع جغرافي كبير- إذا افترضنا ذلك جدلاً- سيضم أعداداً هائلة من السكان غير اليهود، وسيغير التركيبة الديموغرافية بشكل جذري، وسيصبح اليهود أقلية في دولة تحكمها أقلية، وهذا يتنافى مع المنطق السياسي الإسرائيلي نفسه، ويقوّض الأساس الذي نشأت عليه الدولة، وهذه مفارقة لا يمكن تجاوزها، فكيف لدولة تصر على نقاء هويتها أن تستوعب ملايين السكان الذين لا يشاركونها هذه الهوية دون أن تفقد جوهرها؟
تاريخياً، لم تستطع إسرائيل رغم قوتها العسكرية واحتلالها للأراضي الفلسطينية من ضم الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كامل، وهما منطقتان صغيرتان نسبياً، فكيف بمشروع احتلال توسعي يطال حدود دول قائمة وذات سيادة مثل الأردن، سوريا، لبنان، ومصر؟
هذه الدول ليست كيانات هشة يمكن ابتلاعها، بل هي دول ذات جيوش ومؤسسات، ولها وزنها الإقليمي والدولي، والحديث عن "إسرائيل الكبرى" في هذا السياق لا يعدو كونه أحلاماً خيالية، أشبه بأحلام "الإمبراطوريات البائدة" التي كانت تداعب خيال بعض القوميات المتطرفة في عصور سابقة، أحلام لا تصمد أمام الواقعية السياسية والإرادة الدولية الرافضة للاستيلاء على الأراضي بالقوة.
الأحداث الأخيرة، من التوغل في لبنان وسوريا، واستباحة الأجواء في بعض الدول، إلى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وما حدث في غزة، أظهرت أن إسرائيل تسعى لفرض وقائع على الأرض، لكن هذه الوقائع لم تؤدِ إلى استقرار دائم، بل زادت من حدة الصراع، وعززت من رفض الشعوب لمشروع الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار هذه السياسات التوسعية يضع إسرائيل في مواجهة مستمرة مع محيطها والعالم، ويجعلها في حالة حرب دائمة، وهو ما يستنزف مواردها البشرية والاقتصادية، ويقوّض أمنها على المدى الطويل.
الخيال السياسي يميل دائماً إلى إنتاج خرائط أكبر من الواقع القائم، وفي تجارب مختلفة ظهرت مشاريع لوحدات كبرى عابرة للحدود، من صيغ وحدوية شاملة، إلى اتحادات إقليمية واسعة، وانتهى أغلبها إلى شعارات تعبئة أكثر منه خططاً قابلة للتطبيق، ورغم ذلك لا يمكن السكوت عن محاولات تطبيع هذا الطرح سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي ومن أي طرف كان.
تحويل الخريطة بأكملها إلى دولة واحدة تحت سيادة إسرائيلية ممتدة، يبقى في خانة الأحلام السياسية التي تشبه أحلام شعوب أخرى عن خرائط إمبراطورية، تصطدم في النهاية بجدار الواقعية
خارج البعد السكاني، تواجه مشاريع التوسع عائقاً قانونياً وسياسياً واضحاً. فمنظومة القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، ومواقف الاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم، تعطي وزناً كبيراً لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضٍ بالقوة، حتى الخطوات الحالية في الضفة الغربية، المتمثلة في محاولة شرعنة مستوطنات جديدة وإعادة تصنيف مساحات واسعة كـ"أراضي دولة"، تعرضت لإدانات عربية وإسلامية ودولية بصفتها خرقا صارخا للقانون الدولي وتهديدا مباشرا لمبدأ حل الدولتين، فإذا كان هذا الرفض الحاد يواجه ضمًا زاحفًا في أرض محتلة منذ عقود، فإن رد الفعل على أي مشروع توسع سيكون أشد وأوضح.
الواقع الحالي يشير إلى استراتيجية مختلفة، عبارة عن نفوذ أمني وعسكري واقتصادي يمتد إلى ما وراء الحدود، مع الحرص على تجنب ضم مباشر يفرض أثماناً ديموغرافية وقانونية وسياسية، أما استباحة أجواء دول الجوار، وتصعيد الاستيطان في الضفة، واستخدام القوة المفرطة في غزة، فكلها أدوات تمنح إسرائيل عمقاً ميدانياً ومزايا تفاوضية، لكنها تقف عند حدود معينة حين يصل النقاش إلى تغيير الخرائط المعترف بها دولياً.
الخلاصة، إجابة السؤال تبدو واضحة: التوسع الجغرافي الواسع لا يخدم مصلحة إسرائيل حتى من زاوية حساباتها الذاتية، والمشروع الذي يقوم على دولة ذات أغلبية دينية داخل حدود قابلة للإدارة لا ينسجم مع فكرة ابتلاع فضاء سكاني عربي أوسع، ولا مع موازين الشرعية الدولية، ولا مع الواقع السياسي في المنطقة، والجدل حول وهم "إسرائيل الكبرى" يظل أقرب إلى شعار تعبوي يستهوي أطرافاً في أقصى اليمين، بينما تتحرك السياسات الفعلية في مساحة أخرى تكرس الوقائع على الأرض ضمن حدود أضيق، وتدير صراعا طويلا مع الفلسطينيين ودول الجوار، أما تحويل الخريطة بأكملها إلى دولة واحدة تحت سيادة إسرائيلية ممتدة، فيبقى في خانة الأحلام السياسية التي تشبه أحلام شعوب أخرى عن خرائط إمبراطورية، تصطدم في النهاية بجدار الواقعية، وبحدود ما يمكن أن تقبله المنطقة والعالم.