مع تكثيف الحشد العسكري الذي تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الخليج يوما بعد يوم، تتعرض إيران لضغوط غير مسبوقة للتوصل إلى اتفاق جديد مع واشنطن بشأن برنامجها النووي المثير للجدل.
ومع نشر مجموعتين قتاليتين لحاملتي طائرات مسلحتين في المنطقة، عززت إدارة ترمب قوتها النارية بنشر 11 مقاتلة شبح من طراز "إف-22" في إسرائيل، إلى جانب أنظمة دفاع جوي متطورة. هذه التحركات الأخيرة تهدف إلى توفير غطاء دفاعي كاف لإسرائيل إذا أطلقت إيران هجمات صاروخية ضدها، في حال نفذت الولايات المتحدة هجوما جديدا على النظام الإيراني.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أشار إلى أنه لم يتخذ بعد أي قرار باستخدام القوة العسكرية ضد إيران، فإنه- حال تعذر التوصل إلى اتفاق جديد بشأن برنامجها النووي- أوضح بما لا يدع مجالا للشك، في خطاب "حالة الاتحاد" في وقت سابق من هذا الأسبوع، أنه عازم على منع نظام طهران من امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية.
وفي وقت تتواصل فيه أكبر عملية نشر للطائرات والسفن الحربية الأميركية في الشرق الأوسط منذ حشد عام 2003 قبيل حرب العراق، قال ترمب إن خياره المفضل يقضي بكبح التوترات مع إيران عبر الدبلوماسية. وأضاف ترمب: "إنهم يريدون إبرام اتفاق، لكننا لم نسمع تلك الكلمات السرية: لن نمتلك سلاحا نوويا أبدا".
ولكن في إشارة إلى أن ترمب يبدو مصمما على حسم الملف النووي الإيراني بشكل نهائي، تصاعد الضغط على طهران مع مزاعم بأن الإيرانيين حصلوا على صواريخ قادرة على ضرب أهداف في أوروبا، بما في ذلك منشآت عسكرية أميركية.
وقال ترمب: "لقد طوروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على تطوير صواريخ ستصل قريبا إلى الولايات المتحدة الأميركية. لكن الأمر الوحيد المؤكد، هو أنني لن أسمح أبدا لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي.. لا يمكنني أن أسمح بحدوث ذلك".
وقد حملت وتيرة الحشد العسكري الأميركي الأخيرة كثيرا من المراقبين على الاستنتاج بأنه، إذا لم يُتوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فإن ترمب سيشن، على أقل تقدير، سلسلة جديدة من الضربات تستهدف منشآت إيران النووية.
النظام الإيراني يواجه ضغطا أميركيا غير مسبوق، في وقت يكابد فيه أصلا تداعيات اقتصاد منهار واحتجاجات مناهضة للحكومة في أنحاء البلاد
ورغم أن الرئيس الأميركي زعم، عقب الضربات الجوية الأميركية المحدودة التي استهدفت منشآت إيران النووية في يونيو/حزيران الماضي ضمن "عملية مطرقة منتصف الليل"، أن إدارته استنزفت القدرات النووية الإيرانية إلى حد كبير، فإن مؤشرات ظهرت في الآونة الأخيرة تفيد بأن إيران شرعت في إعادة بناء مواقع إنتاج الصواريخ، إلى جانب تنفيذ أعمال في ثلاثة من مواقعها النووية.
وبينما دأبت إيران على تأكيد أن أنشطتها النووية مخصصة لأغراض سلمية، واصلت إدارة ترمب التشكيك بشدة في نيات طهران الحقيقية. وقبل هجوم يونيو/حزيران، وصلت إيران في تخصيب اليورانيوم إلى مستوى نقاء بلغ 60 في المئة، وهي خطوة تقنية قصيرة تفصلها عن مستوى 90 في المئة المستخدم في إنتاج الأسلحة.
وقالت إيران إن نشاط التخصيب توقف بعد هجمات يونيو/حزيران، لكنها لم تفتح المواقع المتضررة أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويخشى ترمب- الذي انسحبت الولايات المتحدة في عهده من الاتفاق النووي الأصلي الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما مع إيران عام 2015- أن يسعى الإيرانيون إلى إعادة تأهيل المنشآت النووية التي تعرضت لأضرار بالغة العام الماضي.
وقال الرئيس في خطاب "حالة الاتحاد": "لقد دمرناها بالكامل، لكنهم يريدون أن يبدأوا من جديد، وهم في هذه اللحظة يسعون مجددا إلى طموحاتهم الشريرة".
وقد أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التأكيد على هذا الموقف، إذ قال للصحافيين هذا الأسبوع إن إيران "تحاول دائما إعادة بناء عناصر" من برنامجها النووي. وأضاف أن طهران لا تخصب اليورانيوم في الوقت الراهن، "لكنهم يحاولون الوصول إلى النقطة التي تمكنهم في نهاية المطاف من ذلك".
إن الجمع بين الخطاب المتشدد الصادر عن إدارة ترمب وحجم الحشد العسكري الأميركي يعني، بلا شك، أن النظام الإيراني يواجه ضغطا غير مسبوق، في وقت يكابد فيه أصلا تداعيات اقتصاد منهار واحتجاجات مناهضة للحكومة في أنحاء البلاد.
ومن المؤشرات المهمة على أن الولايات المتحدة تستعد بجدية لعمل عسكري إضافي ضد إيران أن الأسطول الخامس في البحرية الأميركية أبعد سفنه عن قاعدته في البحرين، وهي خطوة سبق أن اتخذها أيضا في الصيف الماضي قبيل الهجوم الصاروخي الإيراني على قطر.
ورغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها إيران، استمر مسؤولون إيرانيون بتحدي تهديدات ترمب، إذ ندد النظام بما ورد في خطاب "حالة الاتحاد" ووصفه بأنه "أكاذيب كبيرة". وحذر محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، من أن الولايات المتحدة أمام خيارين: سلوك طريق الدبلوماسية أو مواجهة غضب إيران.
ونقلت "شبكة أخبار الطلبة" شبه الرسمية عنه قوله: "إذا اخترتم طريق الدبلوماسية، التي تحترم كرامة الأمة الإيرانية والمصالح المتبادلة، فسنكون نحن أيضا على طاولة التفاوض".
ومع ذلك، ألمح المفاوضون الإيرانيون المشاركون في جولة جديدة من المحادثات في جنيف إلى أنهم مستعدون لتقديم بعض التنازلات، وإن لم ترق إلى مطلب ترمب الأولي بأن توقف إيران جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم.
ويرأس الوفد الإيراني في جنيف وزير الخارجية عباس عراقجي، فيما يمثل الولايات المتحدة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب جاريد كوشنر.
وفي محاولة لتفادي مواجهة عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة، أشار الإيرانيون إلى استعدادهم لتقديم بعض التنازلات بشأن برنامجهم النووي، مع رفضهم في الوقت نفسه المطلب الأميركي بوقف جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم على أراضيهم.
وإذا كان هذا التنازل كافيا لإقناع ترمب بالموافقة على اتفاق جديد مع طهران، فقد يكون هو الفارق بين تسوية سلمية للأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة، وجولةٍ جديدة من التحرك العسكري الأميركي ضد حكومة طهران.