يبدو أن تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب في إيران حُسمت سلفا جاء سابقا لأوانه إلى حد ما، إذ لا يزال الإيرانيون ينجحون في إلحاق أضرار جسيمة بالولايات المتحدة وحلفائها.
ومع أن النظام الإيراني لا يملك، من منظور عسكري صرف، قوة نارية تضاهي الترسانة الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان توحدتا في إطار عملية "الغضب الملحمي" فإن الإيرانيين يثبتون، عبر اللجوء إلى حرب غير متماثلة، أنهم ما زالوا قادرين على إيقاع خسائر كبيرة.
ومن إغلاق مضيق هرمز، وحرمان العالم من ممر تجاري حيوي، إلى شن هجمات سيبرانية على الولايات المتحدة، حيث يُعتقد بأن طهران تقف وراء هجوم إلكتروني استهدف شركة للتكنولوجيا الطبية في ولاية ميشيغن، يثبت الإيرانيون أنهم خصم بالغ الصلابة، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدوها.
إضافة إلى ذلك، أصابت صواريخ إيرانية عددا من المنشآت النفطية الرئيسة في الخليج، بعدما تعرضت المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان والكويت وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة لضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة إيرانية.
ودفعت الضربات الإيرانية التي استهدفت خزانات وقود في محافظة المحرق مسؤولين بحرينيين إلى مطالبة السكان بالبقاء في منازلهم وإغلاق النوافذ، بعدما امتلأ الجو بدخان كثيف. وفي المقابل، قالت وزارة الدفاع السعودية إنها اعترضت طائرات مسيرة كانت في طريقها إلى حقل الشيبة النفطي ومنطقة السفارات، مضيفة أنها أسقطت سبع طائرات مسيرة كانت متجهة إلى الحقل يوم الأربعاء.
في الوقت نفسه، واصل الإيرانيون استهداف حركة الشحن في الخليج، إذ تعرضت ناقلتا نفط لهجومين خلال الليل. وأفادت تقارير بأن زورقين مسيرين محملين بالمتفجرات أصابا السفينتين أثناء وجودهما في المياه العراقية. وأظهرت لقطات مصورة إحدى الناقلتين وهي تشتعل بالكامل. وأعلن "الحرس الثوري" الإيراني رسميا مسؤوليته عن الهجوم على الناقلة الثانية، واصفا إياها بأنها "أحد أصول الجيش الأميركي الإرهابي".
وردا على هذه الهجمات، أعلنت السلطات العراقية وقف العمليات في الموانئ النفطية العراقية وقفا كاملا.
وجاءت هذه الانفجارات بعدما أصابت "مقذوفات مجهولة" ثلاث سفن شحن في مضيق هرمز يوم الأربعاء. كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن مقذوفا أصاب صباح الخميس سفينة حاويات أخرى في المضيق قرب دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي سياق سعيها إلى إغلاق المضيق، أعلنت طهران أنها "لن تسمح بمرور لتر واحد من النفط" إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما عبر هذا الممر المائي الضيق. ومع تصاعد الأزمة في الخليج، رجح خبراء في قطاع النفط أن يبلغ سعر الخام 200 دولار للبرميل إذا لم تتوقف الأعمال القتالية قريبا، محذرين من أن حربا طويلة الأمد قد تقوض الاقتصاد العالمي.
مع تأكيد إيران أنها لن تسمح بمرور أي شحنات نفط عبر مضيق هرمز ما دامت الهجمات مستمرة، تبدو أزمة النفط والغاز ماضية نحو مزيد من التصاعد
ومن المؤشرات الأخرى على أن إيران ما زالت مصممة على الدفاع عن نفسها، الهجوم الصاروخي الكبير الذي شنه مسلحو "حزب الله" المدعوم من إيران على شمال إسرائيل انطلاقا من قواعدهم في لبنان، رغم محاولات الجيش الإسرائيلي تدمير القدرات الصاروخية ومنظومات الطائرات المسيرة التابعة له.
ويبدو هذا التدهور الأمني، ولا سيما في الخليج، متناقضا بوضوح مع زعم ترمب، الذي أعلنه خلال تجمع في ولاية كنتاكي، بأن الحرب على إيران "انتهت بالنصر". إذ تفاخر ترمب أمام مئات من أنصاره الذين احتشدوا داخل مصنع للتغليف في شمال ولاية كنتاكي بأن القدرات العسكرية والنووية الإيرانية تلقت ضربة قاصمة.
وقال الرئيس: "تراجعت هجمات طائراتهم المسيرة بنسبة 85 في المئة. نحن نفجر مصانعهم". ثم أضاف: "إنهم لا يعرفون ما الذي أصابهم".
وعلى الرغم من أنه لم يقدم تفاصيل إضافية بشأن الموعد الذي قد ينتهي فيه الصراع المستمر منذ عشرة أيام، فإنه بدا كأنه يقر بأن نهايته ليست وشيكة. حيث قال: "لا نريد أن نكرر هذا كل عامين. سنحسم الأمر".
ومع ذلك، لم تفلح محاولات ترمب في إضفاء مسحة إيجابية على الحرب، مع استمرار الأعمال القتالية منذ أسبوعين، في طمأنة مؤيديه في الولايات المتحدة، إذ قد تدفع المخاوف من ارتفاع أسعار الوقود ومن الأثر الأوسع للنزاع على المستهلكين الأميركيين إلى زيادة الضغط على الرئيس الأميركي لإنهاء الصراع في وقت أقرب مما يرغب.
وسعيا إلى احتواء المخاوف من أزمة طاقة تلوح في الأفق، أعلن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت خطةً للإفراج عن 172 مليون برميل من النفط من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، في محاولة لكبح أسعار النفط بعد ارتفاعها الحاد.
وعلاوة على ذلك، فإن اتساع الأثر العالمي للصراع، ولا سيما محاولات إيران إغلاق مضيق هرمز، يثير تساؤلات بشأن مدى ما أعدته إدارة ترمب تحسبا للرد الإيراني المحتمل قبل إطلاق "عملية الغضب الملحمي".
ومع أن الولايات المتحدة أمضت أسابيع في حشد أسطولها الضخم في الشرق الأوسط تحسبا لتجدد القتال مع إيران، فإنها، على ما يبدو، لم تولِ اهتماما كافيا لاحتمال لجوء النظام الإيراني إلى تكتيكات غير متماثلة إذا تعرض لهجوم.
وحذرت إيران منذ عقود من أنها ستجعل إغلاق المضيق في صدارة أولوياتها إذا اندلعت مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها. ولهذا الغرض، طور النظام ترسانة جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة المسيرة عن بُعد، صممت خصيصا لاستهداف الملاحة في الخليج. ويبدو الآن أن بعض هذه الزوارق استخدم في الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط أجنبية كانت تبحر قرب الساحل العراقي.
ومع تأكيد إيران أنها لن تسمح بمرور أي شحنات نفط عبر مضيق هرمز ما دامت الهجمات مستمرة، تبدو أزمة النفط والغاز ماضية نحو مزيد من التصاعد. إذ يمر عبر هذا الممر المائي الضيق عادة نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل أي تعطيل متواصل فيه تهديدا خطيرا لأسواق الطاقة العالمية.
يمكن لترمب أن يتفاخر بأنه ألحق بالنظام الإيراني أضرارا جسيمة، من بينها ضربة طالت قمة هرم السلطة وأودت بـ"المرشد الأعلى" للبلاد علي خامنئي وعشرات من كبار القادة، لكن زعمه أن الحرب حسمت فعليا لا يزال محل شك.