الأوروبيون وتلويح ترمب بالانسحاب من "الناتو"

الأوروبيون وتلويح ترمب بالانسحاب من "الناتو"

استمع إلى المقال دقيقة

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التلويح بالانسحاب من حلف "الناتو"، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم مضطرين إلى إعادة النظر في قدرة الحلف على الاستمرار من دون الدور الأميركي.

فمنذ نشأته في أعقاب الحرب العالمية الثانية، احتلت الولايات المتحدة موقع الشريك الأقوى داخل الحلف، الأمر الذي تسارع بشكل أكبر بعد نهاية الحرب الباردة، حين استفادت الدول الأوروبية مما عُرف بـ"عائد السلام". ومع اقتناع هذه الدول بأن زمن المواجهات الكبرى بين الدول قد ولى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، اتجهت إلى تقليص إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، مفضلة توجيه الموارد إلى قطاعات أخرى مثل الرعاية الاجتماعية والصحة.

وأفضى ذلك إلى تراجع واضح في القدرات العسكرية الأوروبية، في وقت واصلت فيه الولايات المتحدة إنفاقها الدفاعي عند مستويات قاربت ما كانت عليه إبّان الحرب الباردة، مما رسخ موقعها كقوة مهيمنة داخل الحلف، بعد أن فضلت العواصم الأوروبية الحليفة لواشنطن بأن تعهد بجانب كبير من أمنها إلى المظلة الأميركية.

ورغم أن التفوق العسكري الأميركي على أوروبا خدم صانعي السياسات في واشنطن في بعض الجوانب، ولا سيما لأنه عزز التحالف التجاري المربح عبر الأطلسي، فإن السخط في واشنطن أخذ يتصاعد خلال السنوات الأخيرة، بسبب إخفاق أوروبا في التعامل بجدية مع احتياجاتها الدفاعية.

وإلى جانب ذلك، أخذت هذه المسألة تتحول تدريجيا إلى مصدر توتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين منذ تولي ترمب المنصب للمرة الأولى، حين وجه انتقادات علنية إلى القادة الأوروبيين، متهماً إياهم بالتقاعس عن تحمل نصيبهم العادل من كلفة الحفاظ على حلف "الناتو".

وقد بلغت هذه التوترات مستوى غير مسبوق، في ظل الموقف الأوروبي الفاتر من قرار ترمب استئناف التصعيد مع إيران. فقد رفضت عدة دول أوروبية، بينها المملكة المتحدة وأسبانيا وإيطاليا، السماح للجيش الأميركي بشن هجمات على إيران انطلاقا من قواعدها. وفي الوقت نفسه، لم يُبد القادة الأوروبيون استعدادا كبيرا لتلبية دعوة ترمب إلى أن تتولى أوروبا مهمة حماية الأمن في الممر البحري الحيوي في مضيق هرمز.

وبلغ الشرخ بين أوروبا والولايات المتحدة مستوى غير مسبوق عقب أحدث موجة غضب فجرها ترمب، حين عاد ملوحاً بالانسحاب من حلف "الناتو" بسبب إحجام أوروبا عن مساندة الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران.

شدد عدد من أبرز القادة العسكريين الأوروبيين على ضرورة تحرك أوروبا لمعالجة هذا الخلل الواضح في ميزان القدرات العسكرية

وفي أوضح موقف يعلنه حتى الآن حيال الحلف، قال ترمب لصحيفة "التلغراف" إنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من "الناتو"، بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى حربه على إيران.
ووصف الرئيس الأميركي الحلف بأنه "نمر من ورق"، معتبرا أن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع بات "أمرا تجاوز مرحلة إعادة النظر".
وعند سؤاله عما إذا كان قد يعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في "الناتو" بعد هذا الصراع، أجاب ترمب: "نعم، أقول إن الأمر تجاوز مرحلة إعادة النظر. لم أقتنع يوما بـ(الناتو). كنت أعرف دائما أنه نمر من ورق، وبوتين يعرف ذلك أيضا، بالمناسبة".
وتضع تصريحات ترمب حلف "الناتو" أمام أحد أخطر الاختبارات في تاريخه منذ إنشائه عام 1949، إذ تهدد مستقبل تحالف أسهم في هزيمة الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، قبل أن ينخرط لاحقا في نزاعات أخرى في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان.
وسيجد الساسة الأميركيون أنفسهم أمام سؤال جوهري حول ما إذا كان ترمب يملك فعلا صلاحية سحب الولايات المتحدة من حلف "الناتو"، ولا سيما أن الكونغرس هو الذي أقر عضوية البلاد فيه. كذلك فإن أي خطوة من هذا النوع ستحتاج إلى تصويت يحظى بتأييد أغلبية الثلثين في الكونغرس، وهو احتمال يعده معظم المراقبين بعيد المنال.
ومع ذلك، فإن ترمب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، يملك بلا شك القدرة على تقليص مستوى انخراط الولايات المتحدة في الحلف، وهي خطوة كفيلة بتوجيه ضربة قاسية إلى فاعلية "الناتو"، في ظل اعتماد الأعضاء الأوروبيين على واشنطن في طيف واسع من القدرات العسكرية الحيوية، من المراقبة الجوية إلى الدفاع الصاروخي.
ومن بين أخطر ما قد يترتب على أي خطوة يقدم عليها ترمب لتقليص التزام واشنطن تجاه حلف "الناتو"، زعزعة التعهد الجوهري الذي تنص عليه المادة الخامسة، ومفاده أن "أي هجوم مسلح ضد عضو منهم أو أكثر في أوروبا أو أميركا الشمالية يعد هجوما عليهم جميعا".
وقد أثار عدد من المسؤولين في إدارة ترمب، بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، شكوكا فعلية بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبادر إلى الدفاع عن أوروبا إذا قررت روسيا، على سبيل المثال، فتح جبهة جديدة ضد دولة عضو في حلف "الناتو" داخل القارة. ودفع احتمال اندلاع حرب في أوروبا من دون إسناد أميركي القادة الأوروبيين إلى التفكير بجدية أكبر في تطوير قدراتهم العسكرية، بما يتيح لهم تنفيذ عمليات واسعة النطاق من دون مشاركة الولايات المتحدة.
ومع ذلك، وفي ظل اعتماد أوروبا الكبير على الولايات المتحدة في دفاعها، فقد تمضي سنوات طويلة قبل أن تتمكن الدول الأوروبية من امتلاك قوة قتالية تخولها مواجهة خصوم محتملين مثل روسيا.
إذ تتحمل الولايات المتحدة اليوم ما يزيد على 60 في المئة من إجمالي الإنفاق الدفاعي لحلف "الناتو"، وتوفر النصيب الأكبر من القوة العسكرية التي يقوم عليها الحلف، ولا سيما في مجال القدرات البحرية والجوية ومظلة الردع النووي.

ومع أن الولايات المتحدة تتبوأ، بلا منازع، موقع القوة العسكرية الأبرز داخل "الناتو"، فإن وجودها في الحلف يدر عليها أيضا مكاسب مختلفة. فدول "الناتو" الأوروبية توفر لواشنطن، على سبيل المثال، قواعد مخصصة لأنظمة الإنذار المبكر ومنظومات الصواريخ والطائرات الحربية. كذلك توفر المملكة المتحدة والنرويج معلومات استخبارية بالغة الأهمية عن غواصات الصواريخ النووية الروسية التي تعمل انطلاقا من شبه جزيرة كولا وبحر بارنتس.
وقد شدد عدد من أبرز القادة العسكريين الأوروبيين على ضرورة تحرك أوروبا لمعالجة هذا الخلل الواضح في ميزان القدرات العسكرية. ومن بين هؤلاء الجنرال السير نيك كارتر، الرئيس السابق لأركان القوات المسلحة البريطانية، الذي حذر من أن أوروبا لا بد أن تتحول إلى قوة عسكرية كبرى قائمة بذاتها إذا أرادت مواصلة المسير من دون الولايات المتحدة.
وفي تقرير عرضه السير نيك كارتر خلال قمة أمنية كبرى عقدت في ألمانيا في وقت سابق من هذا العام، أكد أن أوروبا ينبغي أن تصبح "قوة عظمى اقتصاديا وسياسيا وعسكريا"، إذا أرادت حماية نفسها في ظل "النظام العالمي المتغير". وأضاف أن القارة لم تعد تملك ترف الاتكال على الولايات المتحدة، داعيا إلى تسريع وتيرة رفع الإنفاق الدفاعي.
وبرزت بالفعل مؤشرات مشجعة على أن القادة الأوروبيين باتوا أكثر استعدادا للتعامل بجدية مع التزاماتهم داخل حلف "الناتو"، إذ أعلن قادة الحلف في أوروبا مهمة جديدة في القطب الشمالي استجابة لمخاوف الرئيس الأميركي بشأن أمن المنطقة. وفي إطار هذه العملية، سترسل بريطانيا ألف جندي إضافي إلى النرويج.
وبلا ريب، فإن السبيل الأنجع لإبقاء الولايات المتحدة طرفا رئيسا في حلف "الناتو" هو أن يثبت الأوروبيون استعدادهم لتحمل قسط أكبر من الأعباء حين يتعلق الأمر بحماية الحلف من التهديدات المقبلة.

font change