ترمب في بكين... أجواء إيجابية تعرقلها تايوان

تُعد أزمة إيران قضية أمنية رئيسة أخرى مطروحة على طاولة الزعيمين، بعدما أدى الجمود المستمر في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطهران إلى إغلاق مضيق هرمز

ترمب في بكين... أجواء إيجابية تعرقلها تايوان

استمع إلى المقال دقيقة

في ظل تصاعد التوترات العالمية على خلفية النزاعين في إيران وأوكرانيا، تتيح القمة التي تستمر يومين بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ فرصة أمام قوتين من أبرز قوى العالم لتوظيف نفوذهما في تهدئة الأجواء.

وفي الظاهر، تنصب المحادثات أساسا على ملف التجارة، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إبرام مجموعة من الصفقات التجارية المجزية مع بكين، فيما يأمل الصينيون في إقناع ترمب برفع بعض العقوبات القاسية التي فرضتها إدارته خلال العام الماضي.

غير أن ملفات أخرى، في مقدمتها طموحات بكين تجاه تايوان والنزاع المتواصل في إيران، قد يكون لها أثر كبير في مسار العلاقات الأميركية-الصينية خلال المرحلة المقبلة.

وقد بدا إصرار ترمب على جعل التجارة محور زيارته واضحا في عدد كبار المديرين التنفيذيين من قطاعي الأعمال والتكنولوجيا الذين رافقوه إلى الصين.

ومن بين الشخصيات التي انضمت إلى الرئيس في رحلته الرسمية إلى بكين جين سون هوانغ من "إنفيديا"، وتيم كوك من "آبل"، وإيلون ماسك من "تسلا" و"سبيس إكس"، ولورنس د. فينك من "بلاك روك"، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين آخرين من "ميتا" و"فيزا" و"جي بي مورغان" و"بوينغ" و"كارغيل" وغيرها.

وجاء انضمام هوانغ إلى الوفد في وقت متأخر مفاجئا للبعض، بالنظر إلى أن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تطورها "إنفيديا" تقع في صلب التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

تأتي زيارة ترمب إلى الصين، وهي الأولى لرئيس أميركي منذ نحو عقد، بعد بدء العمل بهدنة تجارية هشة بين البلدين، إثر حرب تجارية متبادلة في العام الماضي رفعت الرسوم الجمركية لدى الجانبين إلى أكثر من 100 في المئة في بعض الأحيان.

على الرغم من الأجواء الإيجابية التي أحاطت بزيارة ترمب، ظلت هناك توترات كامنة، ولا سيما حول قضية تايوان الشائكة، التي يصر شي على إخضاعها لسيطرة بكين

وكانت هذه الرسوم قد جُمّدت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد آخر لقاء جمع ترمب وشي في كوريا الجنوبية.
وخلال محادثات خاصة بين الزعيمين في مستهل زيارة ترمب، قال شي لترمب إن الحروب التجارية "لا رابح فيها"، وإن تطوير الروابط الاقتصادية بين البلدين سيكون "مفيدا للطرفين".
وأضاف شي، في تصريحات نقلتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ: "حققت فرقنا الاقتصادية والتجارية نتائج متوازنة وإيجابية عموما". وتابع: "هذا خبر جيد لشعبي البلدين وللعالم".
وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن الوفد القادم من واشنطن يتطلع إلى بحث تجارة "متبادلة".
وبذل الزعيم الصيني جهدا واضحا لمنح ترمب استقبالا حارا، إذ استُقبل الرئيس الأميركي في مراسم رسمية كبرى تضمنت إطلاق 21 طلقة تحية، فيما اصطف مئات الأطفال وهم يهتفون ترحيبا به.
وأعقب ذلك اجتماع مغلق استمر نحو ساعتين و15 دقيقة، وصفه البيت الأبيض بأنه "جيد". ثم زار الزعيمان معبد السماء التاريخي في بكين. وعندما سأله الصحافيون عن سير المحادثات، قال ترمب إنها كانت "رائعة"، مضيفا أن الصين "مكان جميل ومذهل".
وواصل شي حملته الودية لاستمالة ترمب خلال مأدبة عشاء رسمية أُقيمت في قاعة الشعب الكبرى، مشددا على ضرورة التعاون بين البلدين، ومعتبرا أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين هي الأهم في العالم. وقال: "إن شعبي الصين والولايات المتحدة شعبان عظيمان. فالصينيون يمضون نحو النهضة العظيمة لأمتهم، والأميركيون يعملون على جعل أميركا عظيمة مرة أخرى". وأضاف: "معا، ويدا بيد، يمكننا أن نساعد بعضنا بعضا على النجاح والمضي قدما، من أجل رفاه العالم كله". 
لكن على الرغم من الأجواء الإيجابية التي أحاطت بزيارة ترمب، ظلت هناك توترات كامنة، ولا سيما حول قضية تايوان الشائكة، التي يصر شي على إخضاعها لسيطرة بكين. ويرى شي أن "إعادة توحيد" تايوان مع الصين جزء أساسي من إرثه.

وتشعر الصين بقلق خاص من خطط إدارة ترمب لمواصلة تزويد تايوان بالأسلحة، بما يعزز إلى حد كبير قدرة الجزيرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة أي عدوان صيني محتمل في المستقبل.

وأفادت تقارير بأن شي أثار هذه المسألة خلال الاجتماع الثنائي بين الزعيمين، محذرا ترمب من أن الولايات المتحدة والصين قد "تصطدمان" في نهاية المطاف بسبب تايوان.

وقال الرئيس الصيني، في تصريحات نشرتها وسائل الإعلام الرسمية، إن الإقليم يمثل "القضية الأهم في العلاقات الصينية-الأميركية." وأضاف: "إذا عولجت هذه المسألة على نحو جيد، يمكن أن تظل العلاقات الثنائية مستقرة عموما. أما إذا لم تُعالج على نحو صحيح، فقد يصطدم البلدان، بل قد ينزلقان إلى صراع، ما يدفع مجمل العلاقة بين الصين والولايات المتحدة إلى وضع بالغ الخطورة".

وتُعد أزمة إيران قضية أمنية رئيسة أخرى مطروحة على طاولة الزعيمين، بعدما أدى الجمود المستمر في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطهران إلى إغلاق مضيق هرمز.

ومع أن الرئيس الأميركي أصر، قبل مغادرته واشنطن، على أنه لا يحتاج إلى مساعدة الصين في حل النزاع مع إيران، فإن بكين قادرة بلا شك على أداء دور مفيد إن اختارت ذلك، بحكم علاقاتها التجارية الواسعة مع طهران.

وفي ظل الضغوط التي يعانيها الاقتصاد الصيني أصلا نتيجة عوامل داخلية متعددة، فإن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية، بفعل إغلاق مضيق هرمز، قد يفاقم المصاعب الاقتصادية التي تواجهها بكين.

لذلك، تبدو أمام الصين فرصة لاستخدام نفوذها في دفع طهران إلى تبني موقف أكثر إيجابية في المحادثات الرامية إلى إنهاء النزاع وإعادة فتح المضيق.

ومن شأن خطوة كهذه أن تخدم مصالح بكين على أكثر من مستوى: فهي تضمن استمرار إمدادات النفط اللازمة لدعم الاقتصاد الصيني القوي، وتحد في الوقت نفسه من تأثير النزاع الإيراني في القدرة الشرائية للدول التي تستورد السلع الصينية حول العالم.

font change