فيما تتواصل المفاوضات بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطهران بشأن إنهاء الصراع مع إيران، برز دور باكستان في الوساطة على نحو حاسم، بما أسهم في كسر الجمود بين الطرفين.
وتجلت أهمية هذا الدور هذا الأسبوع بعد أن قيل إن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تدخل شخصيا لدى البيت الأبيض لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتعليق "مشروع الحرية" في الخليج، وهو جزء من محاولات إدارته تمكين الشحن التجاري من المرور عبر مضيق هرمز من دون أذى.
وتوقفت هذه السياسة المثيرة للجدل، التي كانت تنذر بتصعيد خطير في الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة، بعد يوم واحد فقط، وذلك عقب طلب باكستان، إلى جانب دول أخرى مثل السعودية، تعليق العملية حتى تستأنف محادثات السلام الرامية إلى إنهاء الصراع.
ورحب شريف بقرار ترمب، فكتب على منصة "إكس" الأميركية للتواصل الاجتماعي: "تظل باكستان ملتزمة بقوة بدعم كل الجهود التي تعزز ضبط النفس والتوصل إلى حل سلمي للنزاعات عبر الحوار والدبلوماسية. نأمل كثيرا أن يقود الزخم الحالي إلى اتفاق دائم يضمن سلاما واستقرارا مستدامين للمنطقة وما بعدها".
وأحيا قرار ترمب تعليق مشروع الحرية، إلى جانب الجهود الأميركية الرامية إلى استعادة حرية الملاحة للشحن التجاري عبر المضيق، الآمال في إمكان التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، حتى مع استمرار تشكك طهران في الشروط المطروحة. وقال ترمب إن قراره تعليق العمليات في الخليج جاء بعد "النجاح العسكري الهائل" للحملة الأميركية ضد إيران، وتوقع أن الحرب في إيران "ستنتهي بسرعة".
يأتي بروز باكستان باعتبارها مسهلا رئيسا في محاولة إنهاء الصراع مع إيران، وإعادة فتح الممر الحيوي في مضيق هرمز أمام الحركة التجارية، على النقيض تماما من علاقتها بترمب خلال ولايته الأولى
وفي هذا السياق، أفادت تفاصيل مقترحات السلام الأميركية المحدثة التي نشرها موقع "أكسيوس" الإخباري الأميركي أن إدارة ترمب قدمت لطهران مذكرة تفاهم من 14 نقطة، قد تضع إطارا لمفاوضات نووية أكثر تفصيلا. وتشمل البنود المذكورة تعليق تخصيب إيران النووي، ورفع العقوبات، واستعادة حرية العبور عبر مضيق هرمز.
ويبدي ترمب حرصا خاصا على التوصل إلى اتفاق يشمل البرنامج النووي، إذ يرى أن معظم الناس "يفهمون" هدفه المتمثل في إنهاء طموحات طهران النووية. وبينما رفض عضو بارز في البرلمان الإيراني العرض الأميركي واصفا إياه بأنه "قائمة أمنيات"، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية دور باكستان وسيطا رئيسا في المحادثات، مشيرا إلى أن طهران ستشارك وجهات نظرها بشأن المقترح الأميركي مع الوسطاء الباكستانيين. وأكد وزير الخارجية الباكستاني أن بلاده "تسعى إلى تحويل وقف إطلاق النار هذا إلى نهاية دائمة لهذه الحرب".
وانعكس نفوذ باكستان في توجيه المحادثات في وقت سابق من هذا الشهر، حين ساعدت إسلام آباد على تأمين الإفراج عن 22 من أفراد طاقم سفينة الحاويات الإيرانية "توسكا"، بعد أن احتجزتهم قوات أميركية عقب الاستيلاء على السفينة في خليج عمان يوم 20 أبريل/نيسان. وأكد متحدث عسكري أميركي أن أفراد الطاقم سلموا إلى السلطات الباكستانية، على أن يعادوا بعد ذلك إلى إيران.
ويأتي بروز باكستان باعتبارها مسهلا رئيسا في محاولة إنهاء الصراع مع إيران، وإعادة فتح الممر الحيوي في مضيق هرمز أمام الحركة التجارية، على النقيض تماما من علاقتها بترمب خلال ولايته الأولى، حين اتهم إسلام آباد بالانغماس في "الأكاذيب والخداع". غير أن العلاقات تحسنت اليوم إلى حد جعل باكستان تؤدي دورا بارزا شبيها بما أدته آخر مرة في سبعينات القرن الماضي، حين مثلت جسرا بين الشرق والغرب وسهلت التقارب بين الولايات المتحدة والصين. وتلقت باكستان كثيرا من الإشادة لدورها في ترتيب أول محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وطهران منذ الثورة في إيران عام 1979.
ويمكن تتبع التحسن في العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد، الذي مكن باكستان من أداء هذا الدور البارز، إلى اعتقال محمد شريف الله ونقله العام الماضي. وقد اتهم شريف الله بالتخطيط لتفجير أغسطس/آب 2021 الدامي في مطار كابل، حين كانت القوات الأميركية تنفذ انسحابها الفوضوي من أفغانستان. واعتبر البيت الأبيض احتجاز شريف الله لدى السلطات الأميركية دليلا على "قيادة ترمب القوية على الساحة العالمية".
وتحسنت العلاقات بين البلدين أكثر بعد انخراط ترمب في المساعدة على تهدئة التوترات بين باكستان والهند عقب اشتباكات عسكرية بينهما في مايو/أيار 2025.
ورأى ترمب في باكستان طرفا مسؤولا قادرا على المساعدة في خفض التصعيد في أزمة كان يمكن أن تتفاقم بدرجة كبيرة، وهو ما قاده إلى استضافة المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، إلى مأدبة غداء في البيت الأبيض.
ولباكستان أيضا أسبابها المهمة الخاصة لإنهاء الأعمال العدائية في الخليج، وفي مقدمها الأثر الخطير المحتمل الذي قد يلحقه الصراع بالاقتصاد الباكستاني.
ويمثل مضيق هرمز شريانا حيويا للاقتصاد الباكستاني، إذ تستورد البلاد نحو 90 في المئة من نفطها الخام من السعودية والإمارات العربية المتحدة، ونحو 99 في المئة من الغاز الطبيعي المسال من قطر. ورغم أن إسلام آباد تمكنت من الحفاظ على إمدادات النفط رغم الإغلاق، فإنها فعلت ذلك مقابل أسعار مرتفعة جدا.
وقد تكون للأزمة أيضا آثار كارثية على الاقتصاد الريفي، إذ يعتمد نحو 40 في المئة من السكان على الزراعة في كسب أرزاقهم. كما أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع كلفة اليوريا، السماد الذي يستخدمه معظم المزارعين، بنسبة 50 في المئة. وقد يدفع استمرار أزمة الخليج كثيرا منهم إلى الفاقة.
وهناك أيضا مخاوف من أن تؤدي الأزمة إلى تراجع كبير في التحويلات المالية التي يرسلها العمال الباكستانيون العاملون في دول الخليج، وهي ركيزة أساسية لاقتصاد البلاد.
ولذلك، بينما تملك باكستان الكثير مما تكسبه من ارتفاع مكانتها الدبلوماسية نتيجة جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، تظل هذه الجهود ضرورية أيضا لمنع البلاد من الانزلاق إلى كارثة اقتصادية إذا استمرت أزمة الخليج فترة أطول.