نهاية المرشد أم نهاية المشروع؟

نهاية المرشد أم نهاية المشروع؟

استمع إلى المقال دقيقة

بات السؤال الحقيقي ليس من سقط، بل ماذا سقط معه: المرشد أم الشرعية أم الدولة؟

اغتيال علي خامنئي لا يعني بالضرورة نهاية إيران الملالي. فالأنظمة العقائدية لا تُختصر في أشخاص، بل في سرديات كبرى تُعيد إنتاج نفسها عبر الأزمات. وإيران ليست نظام حكم فقط؛ إنها مشروع هوية ممتد منذ 1979، وقد أعاد تعريف الشرعية، وأعاد صياغة العلاقة بين الدين والدولة، وربط الوطنية بالعقيدة، وربط العقيدة بالمواجهة، سواء المباشرة أو بالأكتاف والبنادق المسـتأجرة في العراق ولبنان وغزة واليمن.

الثورة الإيرانية لم تكن مجرد انقلاب سياسي على الشاه، بل إعادة هندسة للوعي الجمعي الإيراني. لقد نجحت في احتكار تعريف الشرعية، لا عبر القوة وحدها، بل عبر إعادة تفسير المقدّس. وهنا تكمن خطورة المشروع؛ فهو لم يؤمم السياسة فحسب، بل أمّم السماء ذاتها. حين أصبح الحاكم ظلّا لمرجعية دينية، ونائبا عن إمام غائب، وهنا لم تعد المعارضة خلافا سياسيا، بل خروج على منظومة اعتُبرت امتدادا للحق الإلهي الممنوح والمعدل بنظرية الولي الفقيه منذ مؤسسه الإمام أحمد النراقي في كتابه "عوائد الأيام" وصولا لاجتهاد الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية"، إذ وسّع حدود وصلاحيات الولي الفقيه.

تحت عمامة الولي الفقيه روح الله الخميني وخليفته علي خامنئي، تشكلت إيران المعاصرة ككتلة تاريخية بالمعنى الغرامشي: تحالف بين الفقهاء والبازار والنخب الثورية والطبقات الشعبية التي رأت في الغرب تهديدا لكرامتها القومية. هذا التحالف لم يكن عابرا، بل بنية متماسكة أعادت تعريف الوطنية باعتبارها التزاما عقائديا. لذلك فإن إسقاط رأس النظام لا يعني تلقائيا تفكيك هذه البنية؛ فالكتل التاريخية لا تنهار بضربة واحدة، بل تتآكل حين تفشل في تحقيق وعودها، كذلك الحال حصل مع المنظومة الاشتراكية حين توالت بالانهيار أمام رأسمالية الغرب لانعدام قدرتها على التجديد والفشل في الوفاء بالوعود.

الدولة القوية ليست التي تعمل بمنطق العصابات كما عملت إيران في العراق ولبنان، بل التي تُقنع مواطنيها بجدوى خياراتها، وهنا كان الفشل الإيراني الذريع

والوعود الإيرانية كانت كبيرة: العدالة الاجتماعية، الاستقلال الاقتصادي، الكرامة القومية، واستعادة الدور الحضاري. لكن بعد 47 عاما على الثورة، تبدو الحصيلة معقدة. نعم، عززت إيران حضورها الإقليمي، ومدّت نفوذها عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكنها في الداخل واجهت تضخما مزمنا، وعقوبات خانقة، وتراجعا في قيمة العملة، واتساعا للفجوة بين النخبة المرتبطة بالمؤسسة الأمنية–الاقتصادية وبين الطبقات المتوسطة والفقيرة.
أنفقت إيران ثروتها لتصدير الثورة، فاكتشفت أنها صدّرت أزمتها معها لعالم وإقليم توجع منها ومن نهجها العدائي للعرب كثيرا، وفي الحرب الدائرة أكدت عدائيتها لهم أكثر من إسرائيل وأميركا.
الحلم النووي، الذي قُدّم كرمز للسيادة والاستقلال، تحوّل إلى عبء وجودي. لم يعد السؤال: هل تمتلك إيران القدرة التقنية؟ بل: هل يستطيع المجتمع تحمّل كلفة المشروع؟ فالسيادة التي تُبنى على إنهاك الداخل تتحول إلى معادلة مختلّة، ذلك الاختلال بدا مصدر الابتهاج في ليل طهران بعد موت "المرشد". 
الدولة القوية ليست التي تعمل بمنطق العصابات كما عملت إيران في العراق ولبنان، بل التي تُقنع مواطنيها بجدوى خياراتها، وهنا كان الفشل الإيراني الذريع. 
عام 2009 شكّل منعطفا حاسما. الحركة الخضراء لم تكن مجرد احتجاج على نتائج انتخابات وحرمان مير حسين موسوي المحكوم بالإقامة الجبرية حتى اليوم من حقه في النجاح الذي بيع لأحمدي نجاد؛ بل كانت إعلانا بأن المجتمع لم يعد يرى في الثورة مرجعيته الوحيدة.
 منذ ذلك التاريخ، بدأ الشرخ يتسع بين جيل الثورة وجيل ما بعدها. الأول تشكّل وعيه على فكرة المواجهة التاريخية مع الغرب، والثاني تشكّل وعيه في عالم متداخل لا يرى في العزلة فضيلة. وكان عمل رجال الإصلاح أو السماح بوجودهم في الرئاسة كما خاتمي وبزكشيان ليس إلا محاولة ترميم يائسة لبيت متهاوٍ.
فالمشكلة لم تكن في الأداء الإداري بقدر ما كانت في تعريف الشرعية ذاته. الرؤساء، مهما اختلفت توجهاتهم، ظلوا يتحركون تحت سقف "المرشد". السلطة التنفيذية كانت هامشا داخل بنية مغلقة تتركز في يد المؤسسة الدينية–الأمنية. لذلك، فإن تغيير رأس النظام– إن حصل– سيطرح سؤالا أكبر: هل يمكن إعادة تعريف مركز الشرعية دون أن يُتهم النظام بالتراجع عن جوهره؟

إيران تقف اليوم أمام مفترق وجودي بعد توالي سقوط قائمة من أبلغهم ترمب بمصير الزوال، منذ قاسم سليماني مرورا بحسن نصرالله ووصولا لخامنئي وما بين هؤلاء مئات من صقور التشدد

إذا كان المشروع قد تأسس على فكرة "الشيطان الأكبر"، فكيف سيعيد تعريف ذاته إذا اختار التهدئة أو التطبيع؟ وإذا كانت الثورة مصدر الشرعية، فهل تستطيع الدولة أن تتحول إلى كيان برغماتي دون أن تُفسر هذه البرغماتية كتنازل؟
وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض غيّر قواعد اللعبة. وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت المنطقة مرحلة تصعيد غير مسبوقة. لم تعد المسألة إدارة توتر محسوب، بل اختبار قدرة النظام على الصمود أمام ضغوط استراتيجية مركّبة: عسكرية، اقتصادية، وسياسية. ومن لا يحسن الحسابات الدولية مصيره الفشل ودروس التاريخ كثيرة.
إذن، هل يمكن أن تتحول إيران إلى "دولة طبيعية" كما تريد أميركا؟ نظريا، نعم. وعمليا، يتطلب ذلك تفكيك ثلاثة أعمدة: إعادة تعريف الشرعية بعيدا عن ولاية الفقيه بصيغتها المطلقة؛ وفصل الدين عن القرار السيادي؛ وتحويل مشروع "تصدير الثورة" إلى مشروع دولة وطنية تركز على التنمية والاستقرار.
وهذا ليس إصلاحا تقنيا، بل تحول وجودي. وإيران اليوم لا تواجه فقط ضغطا خارجيا، بل سؤالا داخليا عميقا: هل ما زال المشروع الثوري قادرا على إقناع أغلبية المجتمع بجدواه؟ والمسألة ليست نهاية "المرشد"، بل اختبار بقاء المشروع. فإذا كان المشروع قادرا على إعادة تعريف نفسه ضمن معادلة جديدة، فقد يستمر بصيغة مختلفة. أما إذا بقي أسيرا لفكرة الصراع بوصفه هوية، فقد يجد نفسه في مواجهة تآكل تدريجي من الداخل، مصحوبا بنتائج الحرب الراهنة الكارثية.
إيران تقف اليوم أمام مفترق وجودي بعد توالي سقوط قائمة من أبلغهم ترمب بمصير الزوال، منذ قاسم سليماني مرورا بحسن نصرالله ووصولا لخامنئي وما بين هؤلاء مئات من صقور التشدد.
الرهان اليوم لم يعد على من سيخلف خامنئي، أو عما إذا كان علي لاريجاني ومن معه ولجنة الرئاسة سينجحون في قيادة البلاد، بل على معنى بقاء الدولة موحدة وغير مقسمة، وعن الإقليم الذي توسعت به الحرب.

font change