بوصفه واحداً من أبرز مؤسسي الكتابة التاريخية العلمية السعودية، حظي المؤرخ الراحل عبداللطيف بن ناصر الحميدان بتقدير المجتمع العلمي العربي بوجه عام، والسعودي بوجه خاص، إذ تقدم بالمعرفة العلمية التاريخية السعودية، ورفع نصاب العقل والمقاربات المعرفية، والدخول إلى الحقب المجهولة وتاريخ الأسر والمظاهر الحضارية.
والكتابة عنه بتعبير الزميل مشاري الذايدي "استثناء"، لكونه "علَم من أعلام المؤرخين العرب، وليس السعوديين فقط" ولا يُكتب عنه بفضل كتاب بعينه بل لأنه "ناسج كتب، وصائغ جواهر علمية". (مشاري الذايدي: عبد اللطيف الحميدان وعطر التاريخ، "الشرق الأوسط"، 8 مارس/آذار 2025).
رحل عبداللطيف الحميدان (أبو خالد) يوم الاثنين الموافق 18 مايو/أيار 2026، عن عمر جاوز التسعين عاماً، تاركاً تراثاً غنياً، ومساراً وتجربة مفيدة ونادرة في المراكمة العلمية والاستمرارية، بوعي التدوين والتأويل للتاريخ، وتركّزت أعماله على دراسة تاريخ العصور الحديثة، وبدايات زمن التفوق الغربي، وتجليات الحضور البرتغالي المُبكر في منطقة الخليج العربي، كما تخصص في جامعة مانشستر بدراسة تاريخ البصرة وبغداد في الحقبة الممتدة بين عامي (1479-1888) وكان قد حصل على درجة البكالورويس من جامعة بغداد، ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة القاهرة.
لم تتأثر دراسات الحميدان بالعواطف، أو بإغراءات تثبيت مقولة الاستقلال عن الحكم العثماني في مجتمعات شبه الجزيرة العربية، واهباً قسم التاريخ في جامعة الملك سعود، تجربة فريدة في الاستقلالية العلمية، والعمل الجاد، والتأثير الكبير في مسار الجيل الجديد الذي تعلم وتدرب على يديه.
نبه الحميدان طلابه إلى وجوب عدم وقوع المؤرخ أسيراً للوثائق، ومع أن تلك مدرسة علمية غربية، فإنه زاوج بين عمله على الوثائق المتعددة المصادر عن حدث معين، مع الاهتمام بالمصادر المحلية
دون إبلاغ مباشر، أو دون أن ينصب من ذاته سلطة مهيمنة على جيل المؤرخين الشباب السعوديين، نبه الحميدان طلابه إلى وجوب عدم وقوع المؤرخ أسيراً للوثائق، ومع أن تلك مدرسة علمية غربية، فإنه زاوج بين عمله على الوثائق المتعددة المصادر عن حدث معين، مع الاهتمام بالمصادر المحلية كما يقول تلميذه المؤرخ حمد العنقري، أستاذ التاريخ في جامعة الملك سعود.
قدّم الحميدان النجدي الأصل، والمولود في منطقة الزبير بالعراق عام 1934 والذي درّس في جامعة البصرة ثم تولى الكثير من المواقع الأكاديمية في جامعة الملك سعود منذ أن التحق بها، دراسات رصينة في المجال التاريخي الحديث لمنطقة الخليج العربي، وبعضها خارج الإطار المحلي السعودي، من خلال التركيز على دراسة الإمارات، والمشيخات، والسلطنات التي عاصرت التمدد العثماني وحكمه، ومنها "إمارة العصفوريين" في شرق الجزيرة العربية، و"سير البوسعيديين"، و"تاريخ إمارة الجبور في شرق شبه الجزيرة"، وتناول موضوعات محلية حضارية مثل "النظام المالي في القطيف في العهد العثماني"، و"دور آل فضل في الأحساء والقطيف بين عامي (1525-1554)".
وفي مجال الكتب، وضع مجموعة منها بالتعاون مع عدد من الباحثين العرب والسعوديين أمثال المصري جلال يحيى، ومنها "تاريخ العرب الحديث"، و"تاريخ البصرة والقطيف والأحساء بين عامي (1501-1552)"، و"ولاية البصرة تحت حكم آل أفراسياب" التي حكمت في مازندران بين القرنين السابع والعاشر الهجريين والتبعية العثمانية الاسمية لها بين عامي (1616-1668).
أشرف الحميدان على عدد كبير من طلبة الدراسات العليا في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، وبلغ مجموع الرسائل العلمية التي أشرف عليها (50) رسالة علمية، تاركًا آثاره وأسلوبه وتأثيره العلمي، وهو ما صنع له مكانة محترمة داخل الدوائر العلمية وبين زملائه العرب، وقد امتاز بالجدية في البحث والدقة في الإشراف، ويكتب المؤرخ حمد العنقري في دراسة غير منشورة قائلاً: "فحسب علمي وتقييمي من خلال ما أعرفه في الجامعات السعودية والعربية، فإني أعتقد جازما أن الدكتور الحميدان أفضل وأبرز أستاذ في تخصصه الدقيق في التاريخ العثماني (بفهمه الحقيقي وليس العاطفي)، وكذلك في تاريخ العرب الحديث في العالم العربي".
حظي الراحل بتقدير وطني سعودي، وباحترام عربي على مجمل أعماله العلمية، ففي 30 مارس 2014، أقرت الهيئة العُليا لجائزة ومِنحَة الأمير سلمان مَنحه جائزة "دراسات تاريخ الجزيرة العربية" في دورتها الخامسة، وكرم الراحل من دارة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك عبد العزيز، وغيرها من المؤسسات الثقافية والعلمية السعودية.
مع أن الحميدان كان منظوراً بوطنه ومقدراً، إلا أنه كان ذا سمت متواضع، متعمداً بمحراب العلم، لم يُقدم فتاوى تاريخية، ولم يُعد دراسات مغلفة بقوالب الأيديولوجيا، بل ظل متلزماً وقار العلماء العارفين
ومع أن الحميدان كان منظوراً بوطنه ومقدراً، إلا أنه كان ذا سمت متواضع، متعمداً بمحراب العلم، لم يُقدم فتاوى تاريخية، ولم يُعد دراسات مغلفة بقوالب الأيديولوجيا، بل ظل متلزماً وقار العلماء العارفين، فحضر في محافل العلم بألق وخَفر جلي، مبتعدا عن كل ضوء لا يناسبه سطوعه، متجنبا أي معارف بشرية زائدة عن الحاجة والفائدة العلمية، بيد أنه كان دائم الاستزادة من معارف المكتبات العربية، ودور الأرشيف الأجنبية والعربية والأرشيف العثماني.
لذلك، جادت أعماله البحثية التي صاغها بكل علمية وحياد، وكذلك الرسائل التي أشرف عليها، فتوجته متميزاً وفريداً في صنعته كمؤرخ صاحب رؤية ومسار معرفي، وتجربة لم تجعل التاريخ مكاناً للندب والاحتفاء بالرموز والمعارك وحسب، بل أبحر في لجاجه ليخرج منه صوت المجتمعات، وتجاربها المتعددة في الحكم والاقتصاد والتنظيمات وما يستحق التدوين.