ما انفكت إيران تحاول الخروج بشكل المنتصر في حربها مع أميركا وإسرائيل، وفي المقابل يصر الرئيس الأميركي على أن بلاده حققت نصرا كبيرا في مواجهتها مع إيران، كل طرف يدعي الانتصار، ويتجنب صفة الهزيمة، وبالجلوس للاتفاق على شكل النهاية، تتغير استراتيجيات التفاوض، التي تتأثر بشكل مباشر بتصريحات الرئيس ترمب الذي ما زال يهدد إيران بضربات موجعة، في حال استمرت بدعم الأذرع وفي مقدمتها "حزب الله" في لبنان.
العرب من جهتهم رحبوا بوقف الحرب، ولو مؤقتا، على اعتبار تغليب المصالح الوطنية، وجلب الاستقرار للإقليم، وقد نجحوا في تجنب فخ الانجرار للحرب، الذي رغبت به إسرائيل، لكنهم من زاوية تغليب المصالح والعقلانية الشديدة لم يمنحوا إسرائيل مبتغاها.
إيران التي كانت تهيمن على أربعة دول عربية، تجلس اليوم مع قاتل مرشدها وكثير من قادة الصف الأول. ومع ذلك تدعي الانتصار، صحيح أنها واجهت ولم تسقط، لكنها فقدت الكثير، وخسرت أصدقاء وجوارا عربيا تاريخيا بسبب عدوانها غير المبرر عليه.
نسبة غير قليلة من الجمهور العربي تعاطفت مع إيران؛ لأنها كانت تواجه إسرائيل وأميركا التي لا تملك إرثاً جيداً في المنطقة، وإيران من جهتها سوّقت بقاء الدولة والنظام، باعتباره حالة انتصار وقهر للطموح الأميركي-الإسرائيلي، لكن في النهاية لدينا إيران مختلفة، ثمة رئيس ينتقد صناعة القرار في بلده لمخاوف مستحقة على مصائر البلاد إذا ظلت تدار بعقلية متشددة وأطماع التمدد والتاريخ الإمبراطوري الفارسي، ونجح الرئيس مسعود بيزشكيان في تثبيت وجوده وتحمله مسؤولية قرار الجلوس لطاولة المفاوضات والقبول بمقترح مذكرة ترمب.
تصدى بيزشكيان للدفاع عن فريق التفاوض (قاليباف وعراقجي)، في مقابل مظاهرات متشددة خرجت في الشارع الإيراني تتهم ذلك الثنائي بالخيانة الوطنية، إذ لم يتسع العقل المتشدد المحيط بـ"المرشد" مجتبى خامنئي، للقبول بفكرة أن الحرب إن بقيت ستهلك المجتمع وتطيح بما تبقى من تماسك وطني. وردّ بيزشكيان على المتشددين بأن الجلوس للتفاوض لا يعني ركوعاً للخصم، كما رفض تخوين فريقه التفاوضي. لكن فكرة تخوين وزير خارجية بلد ورئيس برلمانه تبدو ثقيلة، وتعكس انقساما حاداً في بنية النظام، الذي لم يكن بوسعه العيش في حالة "اللا حرب واللا سلام" .
صحيح أن إيران لم تسقط، لكن ماذا ربحت؟ لقد فقدت الكثير من القادة والنفوذ، وخسرت خسائر موجعة بالاقتصاد والبنية التحتية
لم يعد الأمر في ظل تلك الحالة، يتعلق بمهارات المفاوض الإيراني، وصبره الطويل، فإذا كان الرئيس قد عبّر عن قلقه ومخاوفه بتلك الصيغة النقدية لصناعة القرار التي يهيمن عليها المتشددون في "الحرس الثوري"، فما حال المواطن الإيراني، وما حال المفاوض الذي يحمل على أكتافه وفي وعيه مهمة إنقاذ البلاد من حالة الانسداد التي وصلت إليها بفعل أحلام الهيمنة على المنطقة، ووعود المواجهة المتكررة ضد الشيطان الأكبر.
وهنا، هل كان من نتائج الحرب تغيير جوهري في العقل السياسي الإيراني؟ قد يكون ذلك حدث، ولو بدرجة بسيطة، لكنها مهمة. حيث بات إنقاذ البلاد أولى من الاهتمام بتصدير النموذج الثوري، فذلك العقل يعبر عن مزيج شديد التعقيد يدمج بين العقيدة الشيعية "الإثنى عشرية"، والقومية الفارسية المتجذرة، والبرغماتية السياسية. وتهدف إيران من خلال هذا العقل إلى تصدير "النموذج الإلهي" للقيادة، وفرض سيطرتها كقوة إقليمية كبرى.
نعم قد تكون فكرة التكليف الإلهي "بالرسالة والتمكين" تغيرت لدى العقل السياسي الإيراني، لكن معضلة القومية الفارسية، ستظل باقية ومن الصعب زحزحتها، وهي في جزء منها موجهة ضد العرب، وقد تبدى ذلك في خطاب الكراهية الذي ظل يصدر من رموز النظام وفي مقدمتهم "المرشد" السابق علي خامنئي بخطبه وفتاواه، وقاسم سليماني كقائد مكلف بالإشراف المباشر على التمدد الإيراني في البلاد العربية، واللذان لقيا حتفهما على يد الولايات المتحدة، التي صفّت قيادات أخرى غيرهما.
بالنتيجة من كل هذا العداء والحربين اللتين واجهتهما إيران ضد أميركا وإسرائيل، اتسعت دائرة التململ داخل المجتمع الإيراني، وفقدت إيران فرص الحوار والتعاون مع الجوار العربي، وتعاظمت الخسائر المالية؛ بفعل إغلاق مضيق هرمز، وباتت إيران أقل قدرة مما سبق، وتخلت عن حلمها بالبرنامج النووي، وصار طموحها البقاء كنظام، ورفع العقوبات واسترداد الأموال المجمدة. وهذا كله سيعيد للشعب فرصة المقارنة بين ما كانت عليه الدولة قبل الحرب وبعدها!
اما الذراع الأهم في الخارج، أي "حزب الله" في لبنان، فهو الآخر ليس كما كان، خسر الكثير، وفقد ما هو مركزي وفاعل. لم يعد "الحزب" كما كان، والقرار الدولي بولادة لبنان جديد له سيادته لا عودة عنه، والمباحثات اللبنانية مع إسرائيل جارية، أما العراق فبوسع العقل الإيراني التواضع لكي يعترف بأن عراق اليوم ليس بيدهم كما كان بالأمس.
وبعد كل هذا، صحيح أن إيران لم تسقط، لكن ماذا ربحت؟ لقد فقدت الكثير من القادة والنفوذ، وخسرت خسائر موجعة بالاقتصاد والبنية التحتية، وتراجعت صورتها لدى جيرانها الذين فقدت حسن جوارهم، وصواريخها التي وصلت إسرائيل والدول العربية لم تؤدِ لأي حسم أو دمار، هذا بالإضافة إلى فقدانها لمبرر الهجوم على جيرانها والأردن، إنها قمة الخسارة بالنسبة لمن ينظر بعقلانية للنتائج، وهي بالنسبة لأميركا حرب لم تشأ البقاء بها مطولاً، لعوامل كثيرة أبرزها الآثار الاقتصادية.
في الختام، بقي النظام الإيراني، وسقطت البلاد في خضم أسئلة النتائج المفجعة، والغنائم التي تحققت، وهي في الحقيقة نتيجة موجعة، وستكون كلفتها في المستقبل البعيد وليس اليوم.