فرض الواقع السياسي المعقد أردنياً، منذ عام 2010 بلغة كارل بوبر "هندسة اجتماعية كلية جديدة" نابعة من عقائدها على شتى حيّزات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما حدا بالعقل السياسي للدولة ليسابق الشارع وليتدخّل مباشرة لاجتراح الحلول المباشرة منذ عام 2010 وحتى يونيو/حزيران 2018، حيث كانت انتفاضة البنوك ضد حكومة هاني الملقي الثانية (2016-2018) التي قدمت مشروعاً آنذاك لقانون ضريبة دخل نظرت إليه البنوك على أنه يستهدف ربحيتها العالية، فكان التدخل الملكي مع المواطنين خلال تلك الحقبة بلقائهم بشكل متكرر لسماع مطالبهم، أو تعطيل قرارات حكومية، غير شعبية، أو تغيرات حكومية أو تعديلات موسعة عليها، أو حل مجلس النواب، وذلك استجابة لصوت الشارع، الذي كان يرتفع بسقوف عالية.
وقد بدا ذلك النهج، وكأنه احتواء لتأثير الربيع العربي على الأردن، والذي انعكس بسيادة ثقافة جديدة، ولغة غير معهودة في الاحتجاج الشعبي، وأساليب مختلفة، والتي تجاوزت في بعض الأحيان السقوف، وبخاصة في الأطراف التي تأخرت فيها عملية التنمية، ولعل هذا التأخر كان دافعا أساسياً في جعل الحكم يستجيب لتحقيق بعض المطالب الإصلاحية، والخروج من مستوى الديمقراطية المتدني، واللجوء لمقاربة جديدة في قراءة ظروف الناس وأسباب احتجاجهم، وإطلاق مشاريع تنموية جديدة خاصة في إقليم الجنوب.
وشهدت تلك الحقبة ولادة حركات احتجاجية اجتماعية، مسماة وواضحة بهوياتها السياسية ومرجعياتها التأطيرية، ولكن جلّ هذه الحركات والمجاميع لم تنجح في تحويل مطالبها المتشابهة إلى وثيقة أو لائحة إصلاحية محددة. وكانت تتطلب في مساراتها قراءة تفسر طبيعة الأبعاد المؤسسة لها، فيما لو غادر الأردن الربيع الأردني بسلام، ودراسة مآلاته وتحولاته النهائية.
لم ينقطع الأردن كدولة في ظل أزماته وأزمات المنطقة عن فضائه العربي في تلك اللحظات، التي شهدت استثمار الحركة الإسلامية بالصعود الثوري في الدول العربية التي عانت ما عانته من فوضى، وخسرت الحركة الإسلامية عقلانيتها التي ميزتها في علاقتها مع الحكم منذ تأسيسها في الأردن أواسط القرن العشرين وانتهت بالحاضر، وظل الأردن يسير وسط ألغام المنطقة والفوضى التي خلفتها الحالة الثورية في سوريا وأزمات العراق وتصدير الإرهاب الذي مسّ الأردن في أكثر من مواجهة. لكنه أثبت صلابة غير عادية في معالجة التحديات.
اليوم يسأل كثيرون: كم من الدروس واختبارات الأزمات كي يتعافى الأردن اقتصادياً؟
ثم بعد عام 2019 جاءت جائحة كورنا التي امتحنت فيها الدولة بمؤسساتها بشكل أثبتت فيه كفاءتها، وبعد ذلك شهد الأردن حالة من التعافي في الاقتصاد وولج مشروعا ملكيا للتحديث السياسي، إلى أن جاءت حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي أعادت التحدي الاقتصادي للواجهة الذي واجهته حكومة بشر الخصاونة، ثم جاءت حرب إيران الأميركية-الإسرائيلية التي عمقت التحدي الاقتصادي، الذي تواجهه اليوم حكومة جعفر حسان.
واليوم يسأل كثيرون كم من الدروس واختبارات الأزمات كي يتعافى الأردن اقتصادياً؟ المالية العامة الأردنية، في الحقيقة، ليست في حالة مريحة، والظروف الاجتماعية ضاغطة على الحكومات، لكن العودة بالنظر لما عبره الأردن من أزمات، تعكس حالة استجابة وطنية عالية لتلك الأزمات، ويمكن تطوير حالة استجابة أفضل اليوم في الاقتصاد التنموي ومعالجة البطالة وحل مشاكل التعليم، ليكون الأردن الممكن هو الحصيلة المبتغاة للأردنيين.
الأردن الممكن بلد قادر على الصمود في الأنواء، ليس بسبب انتظار ترتيب ملفات المنطقة، وتعافي الدول الجارة مثل العراق وسوريا، بل لأنه مع كلّ التجارب والتحديات، نسج الأردنيون رؤية خاصة بهم للمرور الآمن وسط حرائق الإقليم
والأردن الممكن هو الذي يستثمر في سمعته الدولية والمكانة التي تحققت له عل أيدي الملوك الهاشميين، ومكانتهم الداخلية في الوجدان الشعبي، وهو الذي يملك القوة الناعمة التي يجب الاستثمار فيها، والمتمثلة في التعليم الذي يميز أبناء الأردن وتفوقهم اليوم في الخدمات والعلوم الطبية والهندسة، ففيه مثلاً أعلى نسبة من المهندسين نسبة لعدد السكان في العالم، وفيه كفاءات طبية مشهود لها في المنطقة، ولديه نظام مصرفي صلب، وفوق ذلك لدية بنية اجتماعية متماسكة.
صحيح أن الأردن يقدم نموذجا في إدارة الندرة للموارد، ويطرح اليوم الانفتاح والتحديث السياسي والاقتصادي في ظل أزمات تفوق قدراته، وهو لم يشهد وعوداً ثورية تقدمية للحصول على الشرعية السياسية، لكنه بلد يملك ثورة علمية ممثلة بقوة المعرفة برأي ميشيل فوكو، والتي تشكل أساساً لأي تـطور سيـاسـي مقبـل، وصالحـة لتـحدث أي إصلاح جدي، وهو بـحاجة لتعزيز النهج الديمقراطي والحيـلولة دون التراجع عن الخيار الديمقراطي وتعزيز الثقافة الديمقراطية، وابتكار أساليب جديدة في اختيار الحكومات ودور أفضل للأحزاب ومكافحة الفساد، وتعزيز سلطة القانون ومبادئ المواطنة، بالإضافة لحماية التعليم بالإصلاح والتطوير، كما يحتاج لمراجعة خطط الجامعات في الأبعاد التنموية وبناء القدرات المتحصنة ليس بالشهادات وحسب بل في المهارات الصالحة للزمن المعرفي الجديد.
الأردن الممكن هو بلد قادر على الصمود في الأنواء، ليس بسبب انتظار ترتيب ملفات المنطقة، وتعافي الدول الجارة مثل العراق وسوريا، بل لأنه مع كلّ التجارب والتحديات، نسج فيه الأردنيون حكماً ومؤسسات وأفرادا رؤية خاصة بهم للمرور الآمن وسط حرائق الإقليم، رؤية لم يكن ممكناً تحقيقها لولا قدرات أبنائه، ووعي الحكم بحتمية مواجهة التحديات، واحتراف أجهزته الأمنية، التي يمنحها الأردنيون أعلى درجات الثقة في استطلاعات الرأي، والتزام النظام بالاستثمار في الفرد، وبناء ثقافة وطنية عالية تستند لقاعدة اجتماعية صلبة وميراث غني بالقيم النبيلة والأصيلة.