في الأزمات تكشف المجتمعات عن صلابتها ومتانتها، ومجتمع لبنان أثبت صلابته وحبه للبنان الكبير، ولبنان المتصرفية، ولبنان السوري، ولبنان الجمهورية، لكن لم يقل اللبنانيون إنهم يجمعون على حب "الحزب" أكثر من الوطن، فـ"الحزب" ليس حزبا بالمعنى الوطني كمثال الأحزاب الكبرى التي قادها رموز وطنيون خُلّص مثل "حزب الوفد" المصري الذي قاده سعد زغلول وواجه النفي بسبب مقاومته للاحتلال البريطاني، أو "حزب المؤتمر الوطني" الهندي الذي توج مساره بالاستقلال على يد المهاتما غاندي. ولا "جبهة التحرير الوطني" الجزائرية التي ناهضت الاستعمار وحررت البلاد. لكن في لبنان كان "حزب الله" مجرد ذراع لإيران وليس لصناعة الاستقلال أو تعزيزه، فكان المجتمع أكثر متانة في إخلاصه لوطنه من "الحزب" والمؤسسات ورجال السياسة المنتفعين من محاصصة النفوذ والتمثيل الطائفي.
في السنوات الأخيرة بدا لبنان دولة متآكلة المؤسسات، وقراراتها السيادية في الحرب والسلم متنازعة بين "الحزب"/الذراع المنتمي لإيران، والدولة أو الجيش الذي لم يرد يوماً أن يعيد البلاد للفوضى، وزادت هذه الهيمنة لـ"الحزب" ومسلحي المقاومة، حين شغر موقع الرئيس لأكثر من عامين، إلى أن جاء الرئيس جوزيف عون في يناير/كانون الثاني 2025 لينهي فراغاً رئاسياً كان قاتلاً، شهدت خلاله البلاد أعمق أزماتها المالية منذ عام 2019 وتطاول الفساد فيها إلى القضاء للتغطية على جريمة مرفأ بيروت التي عبّرت عن أقصى حالات الفوضى وخرق السيادة في الرابع من أغسطس/آب 2020، وكان لـ"حزب الله" موقف الرفض للاتهامات التي وُجهت إليه، لكن الكل كان يعرف أن "العنبر 12" الذي خزنت فيه نترات الأمونيوم التي كانت معدة للشحن للنظام السوري هي نتيجة لعملية منسقة بين "الحزب" ونظام الأسد الآفل.
جاء جوزيف عون في يناير 2025 بعد أشهر من حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، محاولاً استعادة ما تبقى من الدولة، وهو الحاسم في كل ما يقول إنه لا عودة عن قرار استعادة الدولة، وكانت كلمة في القمة العربية في القاهرة في الرابع من مارس/آذار 2025 واضحة المعالم وحاسمة، لرئيس عبّر عن نفسه للقادة العرب بأنه قادم من ثكنات الجيش ولم يكن حصيلة توافق ملالي إيران و"حزب الله" ورضا الرئيس نبيه بري عن انتخابه.
مستقبل لبنان لن تصنعه العواصم الكبرى، مهما بلغ حجم اهتمامها، لأن التجارب أثبتت أن أي دعم خارجي يفقد أثره إذا لم يستند إلى إرادة وطنية جامعة
مثّل مجيء جوزيف عون تعبيراً عن حاجة وطن لقيادة لديها فائض من الأخلاق والوطنية الصافية، فكان وصوله لقصر بعبدا نتيجة لحاصل ضرب كل آمال اللبنانيين المحبين لوطنهم، وفي كلمته أمام القمة العربية الاٍسلامية في الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025، والتي جاءت بعد اعتداء إسرائيل عليها، عبّر الرجل عن شكل المرحلة القادمة وصورة الدولة التي تولى قيادتها، وظهر في حديثه قائدا يُعيد تعريف لبنان أمام المنطقة، بأنه لن يكون لبنان التابع، أو البلد الذي يستقوي به طرف على طرف، ولن يكون لبنان الذي يستدعي الفيدرالية كلما ضعفت البلاد، لينتهي برهان الطائفية.
وحين أراد نبيه بري مركزة القرار الوطني بيده، بعد موت حسن نصرالله وتوالي مشاهد التصدع في بنية "الحزب" وكذلك ما حدث في إيران من مواجهة مع أميركا وإسرائيل، أراد "الحزب" و"حركة أمل" وبقية المعارضين، انتقاد عون بقرار الذهاب للسلام مع العدو الإسرائيلي، فكانت اللحظة الوطنية اللبنانية المنتظرة منذ أمد تولد في لبنان الجديد.
صحيح أن التحول الذي حصل في المنطقة بعد تحرير وولادة سوريا الجديدة نهاية 2024 كان عاملاً آخر في استعادة لبنان الجديد، لكن جوزيف عون لم يكن ليحسب على لبنان المجزأ ولا المارونية السياسية، بل للموقف الماروني التاريخي الذي دافع عن لبنان الكبير والموحد القابل للبقاء في ظل الجميع، والذي سيكون الحالة الأفضل لصون الكيان الوطني والحفاظ على تنوعه، ومنع ذوبانه في محيطه.
الأميركيون فهموا الرجل ومبتغاه، وراهنوا عليه منذ البداية، فخلقوا الممر الأميركي اللازم لعبور البلاد نحو حالة جديدة، ولا يمكن قراءة دورهم من زاوية الدعم العسكري للجيش اللبناني وحده، بل من خلال رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها الضامن للاستقرار في شرق المتوسط. فواشنطن تدرك أن استمرار ازدواجية القرار داخل لبنان يهدد استقرار المنطقة، ولذلك ظل دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية جزءاً من استراتيجية تقوم على تقوية الدولة الوطنية، لا على إدارة الأزمات فقط.
ومع ذلك، فإن مستقبل لبنان لن تصنعه العواصم الكبرى، مهما بلغ حجم اهتمامها، لأن التجارب أثبتت أن أي دعم خارجي يفقد أثره إذا لم يستند إلى إرادة وطنية جامعة. فالدول لا تُبنى بالتفاهمات الخارجية وحدها، وإنما بإجماع داخلي يؤمن بأن الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن السيادة لا تتجزأ، وأن القانون يجب أن يسري على الجميع دون استثناء.
ختاما، أثبت لبنان، عبر تاريخه، أنه قادر على تجاوز المحن كلما انتصرت فكرة الدولة على منطق المحاور، وكلما تقدمت المصلحة الوطنية على الولاءات الخارجية. وإذا نجح اللبنانيون في استثمار هذه اللحظة، فإن عهد جوزيف عون قد لا يُسجل فقط باعتباره نهاية لفراغ رئاسي طويل، بل بداية مرحلة يستعيد فيها لبنان دولته، ومؤسساته، ومكانته الطبيعية المستحقة بوصفه وطناً للتعددية والسيادة والاستقرار والتنوير.