عبد الله العثيمين... من قلب نجد إلى أدنبره

تميزت أعماله بالتنوع والجدية وسلاسة اللغة

عبد الله العثيمين... من قلب نجد إلى أدنبره

ما أن تُذكر المدرسة التاريخية السعودية بأعلامها ورموزها في القرن العشرين، إلا وكان المؤرخ الراحل عبد الله صالح العثيمين (1936-2016) في طليعة ومقدمة المؤرخين السعوديين والعرب الذين قدموا إسهامات معرفية علمية أسهمت في تطوير المعرفة التاريخية، وبناء القدرات لدى جيل من الباحثين السعوديين، الذين باتوا اليوم أساتذة كبارا في مؤسساتهم العلمية الجامعية، ومراكز الدراسات والهيئات الثقافية.

ولد العثيمين في بلدة عنيزة في 23 يونيو/حزيران 1936، في عائلة متعلمة ومتدينة، وبيئة غنية برموزها الثقافية والعلمية. تلقى تعليمه الأولي في مدارس عنيزة، ثم تحصل على شهادة المعهد العلمي في مكة، ليتخرج بعدها في التاريخ من جامعة الملك سعود في الرياض، ويسافر بعدها إلى اسكتلندا متخرجا من جامعة أدنبره في درجة الدكتوراة عام 1972. وكانت تلك السنة بداية لمسيرة عمر قاربت الثلاثة عقود من العمل الأكاديمي والثقافي والمؤسسي.

في بداياته كان الراحل مغرما بكتابة الشعر الذي لازمه طيلة حياته، وتلك حالة طبيعية في نجد، موطن الشعراء العرب الكبار، فأقام العثيمين نشاطات أدبية وجلسات ثقافية، بالإضافة إلى نشره المقالات في الأدب والقضايا الثقافية والفكرية في مجلات مثل "الفيصل" و"الدارة" وغيرهما، وصدرت له دواوين شعرية منشورة.

بيد أن موقعية الراحل بين النخب العلمية السعودية تكمن في عمله التاريخي العلمي الذي قدمه من خلاله جهود كبيرة جعلته يستحق جائزة الأمير (الملك لاحقا) سلمان بن عبد العزيز للرواد في دراسات تاريخ شبه الجزيرة العربية، وكان أول من يستحقها، وهو تتويج مستحق ونتيجة لعمل طويل ومثابرة وجهد كبير، بدأ بإصدار أعمال علمية رصينة ومنها: تاريخ المملكة العربية السعودية ومعارك الملك عبد العزيز المشهورة بتوحيد المملكة، ونشأة إمارة آل رشيد، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وظهوره، هذا بالإضافة إلى جهوده في ترجمات أعمال المستشرقين الأجانب عن تاريخ المملكة، وبخاصة أعمال بيركهارت، وإلى جانبها هناك جهوده الرصينة في التحقيق.

المتتبع لسيرة عبد الله العثيمين، يجد أنه أمام قامة علمية، وسيرة رسخت مكانتها المرموقة بفعل قيمة ما أنتجه علميا، وما كان يتصف به من دقة علمية، وكتابة واعية للأحداث بنهج واضح

تميزت أعمال العثيمين بالتنوع والجدية وسلاسة اللغة، وهو ما كانت تعكسه شخصيته التي وطّنها على صفات أهل العلم ومنها: الصرامة العلمية، والأريحية في التعامل مع الطلبة، وسعة الصدر على مداركهم، والعودة عن الرأي، والأخذ برأي آخر، وإن كان يصدر عن طالب ويدافع عنه. يقول طالبه في مرحلة الدكتوراة زيد بن علي الفضل: "حين عين الدكتور الراحل مشرفا على دراستي للدكتوراة وكانت تحقيقا لنص من تراث الأسرة الإمامية في اليمن، دخلت عليه لأول مرة بعد إنجاز قسم من التحقيق في مكتبه في أمانة جائزة الملك فيصل، وكان جادا، فطلب مني حذف بعض الفقرات، فاعترضت لكونها أصلا في المخطوط، وصمت قليلا، ثم غادرت، وبعد أسبوع اتصل بي مدير مكتبه، وطلب أن أحضر من جديد. وفعلا عُدت إليه ولقيني بابتسامته المعهودة، وقالي لي إن رأيك هو الصواب، ثم قدمني للمناقشة بعد جلسات عديدة من التوجيه والإرشاد".

ومن يعرف العثيمين، في قاعات الدرس، يجد شخصا آخر مساجلا في المنتديات والمؤتمرات، فيدرك أنه أمام عقل وروح نبتا في قلب نجد، فحملا من صفات أهلها في سعة الأفق والكرم والحكمة والتنوع في الجهود العلمية. فنجد عنده ثقافة العلماء الكبار الجامعة للأدب والفقه والتاريخ والجغرافيا والعمل بالتحقيق، وكتابة التعليقات العلمية، ولذلك استحق أن يكون مقدرا في الأوساط العلمية والثقافية السعودية والعربية، فكان عضوا مراسلا لكثير من المجامع والمعاهد العلمية واللغوية، ومحاضرا في المنابر الثقافية الرصينة.

وهو في منبته وبيئته الأولى، من ديار نجد العلماء والأُسر العلمية، ومن بلاد الفقه والعلم الشرعي والشعر الجزل الوافر المعاني.

ومن أبرز علماء بلدة عنيزة: عبد الرحمن السعدي أحد أبرز مؤسسي الحركة العلمية فيها، ومحمد بن صالح العثيمين (شقيق الراحل)، والشيخ عبد الرحمن البسام، والشيخ محمد بن عضيب، وعبد الرحمن المحمد القاضي، وصالح بن ناصر بن صالح، وعبد الرحمن السعدي، وصالح بن عبد الله الخويطر، ومحمد العبد بن مانع، والشيخ محمد بن عثمان بن صالح القاضي، والأخير وضع كتابا مهماً في توثيق التاريخ الثقافي لتراجم العلماء والسير النجدية، وهو بعنوان "روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين"، وقد أتى فيه على ترجمة كثير من علماء بلدة عنيزة، ومناطق أخرى في مقدمتها الرياض، وبريدة والرس والزلفى وشقراء والدرعية، وهذا الكتاب يعد سجلا مكثفا لتاريخ السير والأسر العلمية في مناطق نجد، وهو جدير بالاهتمام. وقد قدم الكتاب بترجمة للمؤلف بقلم الشيخ عبد العزيز البسام، وهو كتاب فريد وجميل.

بالعودة لسيرة عبد الله العثيمين، فالمتتبع لسيرته العلمية وأعماله، يجد أنه أمام قامة علمية، وسيرة رسخت مكانتها المرموقة بفعل قيمة ما أنتجه علميا، وما كان يتصف به رحمه الله من دقة علمية، وكتابة واعية للأحداث بنهج واضح، ومحاولة لتفسير التاريخ كما حدث، والحرص على الإضافة العلمية في النصوص المحققة الثلاثة التي اختارها وهي: "كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب"، و"لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب"، و"نبذة تاريخية عن نجد".

ومع توسعه في مصادر التحقيق، فإنه التزم بالإبقاء قدر الإمكان على النصوص في صورتها الأصلية، وتوضيح ما غمض منها، وما احتاج إلى شرح أو تفسير. 

font change