بينما تغرق إيران في أتون حرب مدمرة، هي العاقبة والحصيلة الموضوعية لما نفذه نظامها الحاكم من سياسات طوال قرابة نصف قرن، كانت وكالات الأنباء تنقل أخباراً عن أن الأردن "بدأ العمل بمشروع السكك الحديدية الوطني، باستثمار يقارب 2.3 مليار دولار"، و"انطلاق خدمات نقل المياه، بعد تحليتها من مياه خليج العقبة، في مشروع تبلغ طاقته 300 مليون متر مكعب سنوياً، وطوله حوالي 438 كيلومتراً، يعالج النقص الهيكلي في المياه، ويسهم في خلق طلب كبير على الصناعات والخدمات العامة"، و"ارتفاع احتياطات البنك المركزي الأردني من العملات الأجنبية بأكثر من 10 في المئة خلال الشهور الثلاثة الماضية"، و"إطلاق استراتيجية التعليم في الأردن بالتعاون مع اليونسكو، لتحسين جودة التعليم"... إلخ.
تتقصد هذه المقارنة الكشف عن مصير مسارين متباينين متضادين سارت عليهما دول منطقتنا خلال العقود الماضية، كانت كل واحدة منها جزءا من سياقات ونماذج عالمية أخرى. مسار قائم على حقيقة أن دولة ما، مثل الأردن، ومهما كانت ثرواتها الطبيعية متواضعة، وبيئتها الجغرافية شديدة القسوة، وتعيش على فوالق سياسية وأيديولوجية بالغة الصعوبة والقلق، كأن تكون بين العراق والمسألة الفلسطينية-الإسرائيلية، وبين سوريا "الثورية" ودول الخليج، ومع كل ذلك تستطيع أن تحافظ على استقرار مديد، وتحقق شروط التنمية البشرية بحدٍ معقول للغاية، مع وجود مجال محترم للحريات المدنية والاقتصادية والحقوقية، وحتى السياسية. مسار يقول إن كل ذلك يُمكن أن يحدث بشرط واحد وواضح وبسيط، هو أن يعرف هذا الكيان ويعترف القائمون على سيادته وقراره الاستراتيجي بأنهم "دولة"، أن تتصرف السياسة العامة وتوضع الرؤى الاستراتيجية لهذا البلد حسب هذا الشرط الطبيعي والعادي.
المسار الآخر، تمثله دول مثل إيران، تملك كل شروط الصعود في "سلم التاريخ": ثروات باطنية هائلة، تنوع عرقي وديني ومجتمعي باهر، إرث إمبراطوري بالغ الغنى، جغرافيا متنوعة ومناخ ثري، يكاد أن يكون صورة مصغرة عن كامل الكرة الأرضية، تحولات وتجارب تاريخية استثنائية، ثورة دستورية قبل قرن وربع، وأشكال من التنمية الانفجارية في قطاعات التعليم والتحديث المجتمعي منذ قرن، لكنه مع كل ذلك يكون منبتاً لدولة فاشية وفاشلة، ومجتمعاً مسحوقاً ونظاماً حاكماً لا يستطيع أن يوفر الحد الأدنى من "جودة الحياة" لمواطنيه. كل ذلك لأنها لم تعترف لنفسها وتتصرف على أساس أنها "مجرد دولة"، وفقط كذلك، تتصرف وتبني كل ما لديها من أدوات ورؤى حسب ذلك، نابذة كل ما يتجاوز ذاك الأساس صراخاً أو يدنوه تخطيطاً، أن تُغرق نفسها ومجمعاتها وخيراتها بما ليس وظيفة الدولة قط، عبر تبني هويات وعناوين من مثل "الموت لأميركا"، و"الدفاع عن المستضعفين"، و"تصدير الثورة"، و"محور مقاومة الاستكبار"، و"الاقتصاد المقاوم"، وكل ما قد يُبنى على ذلك من سياسات، وما سيعقبها حتماً من ويلات.
النظام الإيراني الحالي أنهى نماذج المعاندة بالضربة القاضية. فمجموع ما قدمه من بؤس وعنف ووحشية، في الداخل والخارج، تجاه المجتمعات والبيئة وكل أشكال الحياة، أنهى كل الأوهام، وأغلق واحدة من أتعس صفحات تاريخ منطقتنا، صفحة الصراخ
قبل أكثر من قرن، حينما انبثقت دولنا الحديثة جراء تفسخ الإمبراطورية العثمانية، كان تشكلها الجنيني ذاك بشارة الحداثة السياسية في منطقتنا. لأن هذه الدولة، بحجمها الجغرافي الصغير نسبياً، مقارنة بالنطاق الإمبراطوري، وآلية تشييد مؤسساتها ووثائقها وأجهزتها ضمن شرط الحضور الاستعماري، وحتمية تصرفها كسلطة وخدمة عامة مدينة بسبب ذلك، إنما حققت، وإن بعد قرنين ونصف، "شرط ويستفاليا" التقليدي للحداثة السياسية، الذي يقوم على قاعدة "كامل ومطلق السيادة في الداخل، صفر سيادة ونفوذ في الخارج"، تلك الحداثة السياسية التي انبعثت منها وفي ظلالها كل أشكال التحديث اللاحقة، في المجتمع والاقتصاد ونمط الحياة والأدب والفنون.
في ذلك الوقت، عاشت منطقتنا جزءا من مسار حركة التاريخ. فقد كان تفكك الإمبراطورية النمساوية-المجرية والروسية والعثمانية، وما ماثلها في أفريقيا وشرق آسيا، وتضعضع القوتين الإمبراطوريتين الأقوى شكيمة عبر التاريخ، فرنسا وبريطانيا، لصالح صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، تبشيراً بنهاية الأمم الكبرى والحكايات الملحمية والرؤى السياسية الأسطورية، لصالح كل ما ينافيها موضوعياً، أي الدول الصغيرة، التي تتعامل مع السياسة والسيادة حسب أحجامها الموضوعية، ضمن مجال الدول، وفقط كذلك، معتبرة السلطة العامة مجرد جهاز وعقل للدولة الصغيرة المُشيدة حديثاً، تنفذ مصالحها وتبحث عن رفاه وأمان شعبها، وليس لها من وظيفة وشاغل إلا ذلك.
طوال هذا القرن، شهدت منطقتنا أشكالاً مختلفة من معاندة حركة التحديث السياسي التاريخية هذه، كانت الناصرية والقذافية والصدامية والأسدية والإخوانية وحتى الشيوعية-الثورية-الستالينية نماذج وتجارب عنها. حاولت كل واحدة منها أن تكون ما فوق الدولة سلوكاً وتطلعاً، أن تتصرف بخيال إمبراطوري عتيق، رغم حقيقتها الدولتية المتواضعة، ولأجل ذلك لاقت كل واحدة منها مصيراً بائساً، تجاوزها جغرافياً وزمانياً.
لكن النظام الإيراني الحالي أنهى نماذج المعاندة بالضربة القاضية. فمجموع ما قدمه من بؤس وعنف ووحشية، في الداخل والخارج، تجاه المجتمعات والبيئة وكل أشكال الحياة، أنهى كل الأوهام، وأغلق واحدة من أتعس صفحات تاريخ منطقتنا، صفحة الصراخ.