أشعر، وأنا أخط هذا العنوان العاري، أنه يقول بمفرده كل ما أود قوله في هذا المقال. لم أضف إلى الكلمة نعتا أو مضافا إليه، علها تعكس واقع الحال، فتتسع لفضاءات متعددة، وتشمل مظاهر التردي جميعها، فلا تخص وضعا بعينه، أو منطقة محددة من مناطق عالم اليوم التي غدت جميعها في الهم سواء.
تتزاحم هذه الكلمة في دماغي مع مثيلاتها التي استعملت تشخيصا لمختلف الأحوال السلبية التي عرفتها وتعرفها المجتمعات البشرية، كالأزمة والانحطاط والانهيار والانسداد والأفول، كما تتزاحم في لساني مثيلاتها الأجنبية.
ومع ذلك، يبدو لي لفظ "التردي" أكثرها تعبيرا عن واقع الحال. ذلك أنني لا أقصد فحسب الحديث عن أزمة، ولا حتى عن انحطاط أو ما شابه. الأمر لا يتعلق، بطبيعة الحال، بمجرد استبدال كلمات بأخرى. المفهومات، كما نعلم، تكشف عن منظورات معينة، وتعين مقاربات محددة، بل إنها تندرج ضمن نظرة بعينها للزمان التاريخي.
فمفهوم الانحطاط، على سبيل المثال، لا يوظف إلا قياسا على فترة ذهبية مشرقة. ونحن نعلم أنه مفهوم استخدم من قبل عند كثير من المستشرقين لتشخيص واقع الانسداد الذي عرفته بعض المجتمعات العربية-الإسلامية بعد عصور ازدهارها، بهدف الوقوف عند أسباب ذلك الانسداد، كما استخدم فيما بعد مع مرادفاته عند المنظورات السلفية بمختلف أشكالها.
على عكس مفهوم الانحطاط، الذي يتخذ الماضي مرجعية له، فإن مفهوم الأزمة يرتبط بزمانية تنشد إلى المستقبل. فرغم الوجه السلبي الذي تعرفه الأزمة، وإذا نحن استبعدنا ما يصح تسميته "المفهوم القيامي للأزمة"، فإن الأزمات تعتبر دوما فترات انتقال، وقنطرات عبور. صحيح أنها تشكل خللا واختلالا، بل هزة ورجة، إلا أنها سرعان ما تتدارك نفسها وتستعيد توازنها. ثم إنها دوما "أزمات مستأنفة" هي بمثابة المرض للصحة والتناتوس للإيروس.
إلى جانب هذا الانشداد نحو المستقبل، فإن مفهوم الأزمة غالبا ما ينظر إلى الواقع نظرة تجزيئية، فيصدق على قطاعات بعينها قد تعرف سلسلة أزمات جهوية تسري في أجزاء المنظومة الاجتماعية وتنخر نسيجها.
واضح أن مفهوم "التردي" المقترح هنا يختلف أشد الاختلاف عن هذين المفهومين السابقين: فبينما يوظف الانحطاط ضمن سردية تحن إلى الماضي، وتستعمل الأزمة لوصف أفق انتظار، فإن التردي لا يحن ولا ينتظر. لا يحيل إلى ماض مشرق، ولا إلى مستقبل مفتوح، وإنما ينظر إلى الخلل على أنه واقع بنيوي، وتفكك عام للمكونات لم يعد بإمكانه أن يقاس لا على ما مضى ولا على ما سيأتي.
ينطوي هذا المفهوم إذن على مقاربة تنظر إلى واقع الحال بعين اليأس التاريخي. وهو يعترف ضمنا أن الوضع لم يعد بإمكانه حتى أن يستغيث بماضيه الذهبي، مثلما يقر بأن الخلل ليس أزمة يمكن تجاوزها.
التردي لا يفهم لأنه يدمر شروط الفهم، ولا يقاس لأنه يبدد المعايير التي تجعل القياس ممكنا. ليس التردي عتمة ناتجة عن غياب الضوء، بل عن تلاشي ما كان يجعل الضوء ممكنا.
بينما يوظف الانحطاط ضمن سردية تحن إلى الماضي، وتستعمل الأزمة لوصف أفق انتظار، فإن التردي لا يحن ولا ينتظر
وعليه، فهو ليس اسما لمرحلة من مراحل التاريخ، ولا وصفا لوضع يمكن إدراجه ضمن سردية الانحدار أو التعافي، بل اسم لانقطاع أعمق: انقطاع في إمكان الفهم ذاته. فإذا كنا نقيس الانحطاط على ماض نتخيله ذهبيا، ونقيس الأزمة على مستقبل نرتقب فيه استعادة التوازن، فإن التردي يضعنا خارج كل أفق للقياس، لأنه لا يمس ما يقع داخل المنظومة، بل ما يجعل المنظومة ممكنة أصلا.
عند هذه النقطة، لا يعود الخلل قابلا للتشخيص، ولا الاختلال قابلا للتعيين، إذ لا يعود هناك ما يضمن ثبات المعايير أو استمرارية المرجعيات. فكأننا لا نواجه وضعا مختلا، بل وضعا فقد حتى القدرة على أن يدرك بوصفه مختلا. وهنا تحديدا تكمن خطورته: ليس في شدته، بل في شفافيته، ليس في عنفه، بل في قابليته لأن يعاش كأمر عادي.
لذلك، لا يفهم التردي بوصفه سقوطا، لأن السقوط يفترض علوا، ولا بوصفه أزمة، لأن الأزمة تفترض أفقا للحل، بل بوصفه حالة تتبدد فيها إمكانات التمييز نفسها: بين الأعلى والأدنى، بين السليم والمختل، بين ما ينبغي وما هو كائن، بين القيمة والواقع. إنه، بهذا المعنى، ليس انحرافا عن نظام، بل تلاشٍ لفكرة النظام ذاتها.
فكأن هذا المفهوم ينفي عن الواقع كل حركية، وهو يكاد يعكس يأسا مطلقا، وربما، لأجل ذلك، فهو أقرب تلك المفهومات إلى تشخيص الراهن، ليس راهننا فحسب، وإنما ربما الراهن بإطلاق.
وإذا حصرنا الأمر في راهننا، فيمكن أن نجزم أن هذا اليأس هو ما نلمسه بالضبط إن نحن حاولنا متابعة تطور المفهومات التي عكست، وما زالت تعكس مآل الآمال التي علقت على مستقبل واقعنا، والخيبات المتواترة التي عرفتها الأجيال التي توالت منذ عهود الاستعمار. فمنذئذ والأجيال تقلص من طموحاتها شيئا فشيئا تماشيا مع تقلبات الأحوال، وانسداد الآفاق.
نلمس ذلك على الخصوص عند الجيل الذي فتح أعينه على الاستعمار، فقد كان هذا الجيل جيل التنازلات بلا منازع، وقد كانت تنازلاته عن الأحلام أكثر مما كانت تنازلات عن المبادئ. فهو لم يفتأ يتقبل التقلبات التي عرفها طيلة حياته. وقد حاول جهد الإمكان أن يتفهمـها، فعمل ما استطاع على تقليص مطامحه، وتعديل جهازه المفهومي، وتنقيح قاموسه السياسي. فإن كان بعد الاستقلالات قد تغنى بمفهومات الرفض والثورة والتغيير والقطيعة، فإنه قبل أن يستعيض عنها فيما بعد، بمفهومات أكثر اعتدالا، فأخذ يتحدث عن التوازن والحوار والوفاق والتفاوض والتفهم. إن كان في وقت مضى قد نشد مجتمعا عادلا تحكمه المساواة، فقد استعاض عنه في وقت لاحق بمجتمع أقل ظلما وفقرا ومرضا. إن كان في وقت سابق قد اعتبر أن التحديث لا يمكن أن يكون إلا انفصالا عن التقليد، وأن التجديد لا يمكن أن يكون إلا "تبدلا بالجملة"، فإنه غدا يطالب بجملة من التبديلات لا تطول بالضرورة الكل، ولا تلحق الأسس، محاولا أن يقنع نفسه أن الأمر يتعداه، وأنه يعود إلى "أزمات كونية" لا يملك أحد أمامها حيلة ولا قوة.
ما عرفته بلداننا من "انتفاضات" لم يكن إلا تمردا على هذا الحد من أفق الأحلام، وهذا التضييق من سعة المطامح، وهذا التكييف المتواتر للجهاز المفهومي، وهذا التنقيح للقاموس السياسي. كانت تلك الحركات محاولة لفتح الانسداد الذي سجن واقعنا داخل أفق مغلق، وقد قادها شباب من طينة جديدة يعرفها العصر: شباب البطالة المتعلمة. وهم شباب من غير مشروع، ولا ارتباط: فهم لا يرتبطون عقائديا ولا قوميا بل ربما حتى حزبيا. ما كان يوحدهم هو شعور التهميش القوي وما يترتب عنه من "حكرة" كما تبلور في شعارات بعض البلدان.
كل أشكال التمرد هذه، أصبحت اليوم بلا خارطة جيوسياسية. فلقد اختلطت عليها الأوراق، وتفككت الأحلاف، والتبست الأمور. حتى الرمزيات المعتمدة لم تعد هي الرمزيات المعهودة، أي تلك التي كرسها الوعي الوطني والقومي فيما قبل، والتي انتصبت أمام آخر محدد، سمي الاستعمار في وقت، ثم الصهيونية فالإمبريالية فالتخلف فالتقليد.
لا يفهم التردي بوصفه سقوطا، لأن السقوط يفترض علواً، بل بوصفه حالة تتبدد فيها إمكانات التمييز نفسها بين الأعلى والأدنى
هذا الغياب للرمزيات والتجريدات، وهذا الالتصاق بالواقع الفعلي، والاكتفاء بـالآني، لم يعد في حاجة إلى رؤية ترسم خارطة، وتعين مسالك، وتشق دروبا.
كل ما هو متاح اليوم، إنما لقاءات عبر الشبكة يسرتها تقنيات التواصل الجديدة، وسمحت بها المواقع الاجتماعية. هي إذن علائق من طينة أخرى، لا هي بالضبط انحياز أيديولوجي، ولا هي تضامن طبقي، وإنما علائق أصبحت تسمح بها الثورة المعلوماتية لا تخضع لمنطق تمركز الفضاءات المعهود ولا لأقطاب القرار المألوفة. فمقابل الطابع العمودي الذي كان يسم التدرجات والعلائق التقليدية، وجدنا أنفسنا أمام علائق أفقية غالبا ما تتخطى الحدود الاجتماعية والوطنية، لكنها تظل عائمة سائلة بعيدة أشد البعد عن تشخيص واقع الأمور، والوقوف على أعطابه وقياس درجة ترديه.