حينما طلب مني أحد الأصدقاء المساهمة في الكتاب الذي يعده تحت عنوان "كتاب وحكاية"، اعتبارا أن وراء كل كتاب حكاية، إنجازا، أو طباعة، أو نشرا، أو تلقيا، استعرضت لائحة كتبي بحثا عن أحدها الذي قد يكون عرف أثناء إنجازه أو ظهوره ما يلفت النظر. لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال، بما تعرفه الكتب عند دور النشر عندنا من تعثر وتباطؤ بصفة عامة، وإنما بخصوصية متفردة لاقاها كتاب بعينه من الكتب التي نشرتها.
ما أثار انتباهي أنني لم أتمكن من أن أتبين بين كتبي جميعها ما انفرد بخصوصية وهو في طريقه إلى القراء. لا يعني ذلك أن أمور النشر والتوزيع كانت متيسرة بالنسبة إلي، وإنما أنني أنا الذي لم أكن أفاضل بين كتبي، وربما لا أكون منشغلا بما يعرفه مصيرها، فأي منها، وهو في طريقه إلى القارئ، لا يكاد يتميز عن غيره بالنسبة إلي.
أثار الأمر دهشتي و"قلقي"، وخشيت أن يكون الأمر عائدا إلى إهمال، أو على الأقل، عدم اهتمام بما يلحق كتبي بعد "تسليمها" إلى الناشر، وإحساس بنوع من "البرودة العاطفية" إزاء ما أكتب. إذ إن لذلك دلالات لا تخلو من غرابة. فاللااختلاف (L’in-différence) الذي يطبع العلاقة بين كتبي قد يعني، من بين ما يعنيه، لامبالاة بها من طرفي (indifférence). معنى ذلك أنني، بمجرد أن يتسلمها الناشر، أفقد كل علاقة حميمة معها. كأن علاقتي بما أكتب علاقة تخلّص أكثر مما هي علاقة عناية واهتمام وانتظار وشغف. كأن الكتابة عندي "عبور" أكثر منها "وصولا". ربما لذلك كنت أستغرب فرح أصدقائي الكتّاب بصدور "مولودهم" الجديد، كما يقال في مثل هذه المناسبات.
"الولادة" بالنسبة إلي تتوقف لحظة الكتابة، وكل ما يعقب ذلك فيما بعد، يكاد لا يعنيني. فأنا لا "أحمل" كتابي ولا "أحمل همه"، بل أتخفف منه. الهم والتوتر الفكري يصاحبان عندي الكتابة، ولا يخصان الكتاب ذاته، بل يكادان ينطفئان لحظة تسليم الكتاب لناشره.
ما زلت أذكر أنني عندما كنت أنشر مقالاتي في جريدة "الحياة" اللندنية، خلال نهايات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كنت أتنقل إلى أقرب مقهى لإدارة البريد بالرباط، كي أحرر المقال بخط اليد، و"أتخلص" منه في أقرب وقت. وكثيرا ما كان الأخ حازم صاغية، الذي كان وقتها مشرفا على صفحة "أفكار"، وملحق "تيارات"، يتكفل بتشذيب المقال ومراجعته.
من الكتّاب من يعتبر هذا "التخلص" جوهر الكتابة والتفكير. فهم أقل احتفاء بالمؤلف، وأكثر وفاء للحظات الفكر والكتابة. كان خليل جبران يعتبر الكتابة "فعلا تحرريا"، أما عبد الكبير الخطيبي، فكان يرى "أن الكتابة، في نهاية الأمر، هي تجربة فقدان ما نملك (désappropriation)، "فقدان ما يخصنا ويحددنا". فنحن لا نكتب لأن لدينا فائضا نعرضه، بل لأن ما "نملكه" يثقل كاهلنا. الملكية تحديد وحصر، والكتابة تفكيك وتحرر. كتب الخطيبي ضد الهوية المكتملة، ضد اللغة الواحدة، ضد النص المنغلق، ضد التملك والتحديد. هنا تغدو الكتابة تجربة فقدان: فقدان الاسم، فقدان الصوت، فقدان المركز. إنها خلق للمسافات التي تبعد.
حينئذ، ماذا يتبقى من الكتاب كما تساءل بلانشو؟ "ماذا عن الكتاب في هذه اللعبة حيث يجد الخلو من العمل خلاصه في عملية الكتابة؟ الكتاب عبور لحركة لا نهائية، تنتقل من الكتابة كعملية إلى الكتابة كخلو من العمل، وهو انتقال ما يفتأ يشكل حواجز وموانع. عبر الكتاب تمر الكتابة، لكن الكتاب ليس هو ما تتوجه نحوه وتقصده. عبر الكتاب تمر الكتابة التي تتحقق فيه، وتختفي فيه في الوقت ذاته. ومع ذلك، فنحن لا نكتب من أجل الكتاب. الكتاب حيلة تتجه بها الكتابة نحو غياب الكتاب". إنه ذريعة الكتابة.
تظل الكتابة، في نهاية الأمر، تجربة هجر مستأنفة، واستفراغا وتخليا لا متناهيا: إنها تخلص مما يتملكنا وما نظن أننا نملكه
وماذا عن الكاتب؟ يجيب بلانشو: "إنه لا يعرف إلا هذا المصير التعس: الكتابة بالنسبة إليه فشل، هو لا يستطيع قراءة كتبه، العمل غير مكتمل، ناقص، بينما القارئ يوافق على العمل دون رغبة في تغييره، يراه كاملا، منجزا، ناجحا. بهذا المعنى، القراءة هي التي تكمل العمل، هي التي تنجح حيث تفشل الكتابة، هي الجانب الإلهي من الخلق حيث الكاتب إنساني، إنساني أكثر من اللازم".
القارئ هو الذي "يتكفل" بالكتاب. لذلك كان بلانشو يرى أن الكاتب، بالمعنى الدقيق، لا يكتب، بل "يكتب"، يكتب من خلاله. الكاتب ليس أبدا صاحب المبادرة في الكتابة، بل يجد نفسه في كل مرة وكأنه مفتون بحركتها. و"لأن الكاتب ليس أبدا أصل الكلام، فهذا الكلام لم يبدأ معه، بل سبقه دائما. إنه قديم بشكل مخيف، بل إنه لم يبدأ أبدا، إنه سابق للذاكرة: يتكلم، دون بداية. إذن، الكتابة هي أن تصبح شاهدا على الماضي السابق للذاكرة"، ولم لا نقول أيضا: هي أن تنفتح على مستقبل لا يأتي؟
تظل الكتابة، في نهاية الأمر، تجربة هجر مستأنفة، واستفراغا وتخليا لا متناهيا: إنها تخلّص مما يتملكنا وما نظن أننا نملكه.