حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

استمع إلى المقال دقيقة

ليست لحظة عابرة، ولن تكون... لحظةُ إلقاء القبض على أمجد يوسف هي لحظةٌ شعر بها ملايين السوريين، ومعهم العالم، بشيءٍ من العدالة؛ لحظةٌ وصفها البعض بأنها كلحظة الإعلان عن سقوط نظام بشار الأسد.

أمجد يوسف، الضابط في مخابرات الأسد، الذي ألقى عشرات السوريين والفلسطينيين في "الحفرة"، قتلهم وأحرقهم وهو يسخر ويضحك، ويوثّق، فخورا بإجرامه، ويُهدي هذا الإجرام لـ"المعلم"، صار اليوم في قبضة قوى الأمن السورية.

أمجد ليس السفّاح الوحيد الذي قتل السوريين وعذّبهم من أجل بشار الأسد؛ فهناك المئات من أمثال أمجد. لكن أمجد كان يُصوّر، بالصوت والصورة، وحشيته ووحشية نظامه في أبريل/نيسان 2013. لتقوم الباحثة السورية أنصار شحود، والبروفيسور أور أوميت أونغر في جامعة أمستردام، بالتزامن مع تحقيق لصحيفة "الغارديان" البريطانية، بنشر مقتطفات من فيديو المجزرة عام 2022، أي بعد 9 سنوات على المجزرة، ليسقط المجرم، بعد جريمته المصوّرة، بـ13 عاما في قبضة الأمن.

ليست كل جرائم أمجد مصوّرة، ولا كل زملائه في الإجرام وثّقوا جرائمهم؛ لكن إلقاء القبض على أمجد يوسف ليس حدثا عابرا. هي لحظة تذكّر- من نسي- ما حلّ بالسوريين على مدى 14 عاما؛ تذكّرهم بيوميات القهر والظلم، وتذكّرهم كيف أن الإنسان السوري لم يكن إلا مشروع قتيل أو معتقل على يد نظام الأسد، "معلّم" أمجد يوسف.

أمجد ليس السفّاح الوحيد الذي قتل السوريين وعذّبهم من أجل بشار الأسد، فهناك المئات من أمثال أمجد


هي لحظة يظن المرء أنها ستجمع كل من عارض وثار على "المعلم"، المجرم الأول بشار الأسد، لكنها لم تفعل. لحظة تنفّس فيها ملايين السوريين، واستنشقوا شيئا من العدالة؛ إلا أن البعض أبى إلا أن يكون- كما اعتاد طيلة 14 عاما- بعيدا كل البعد عن السوريين، بآمالهم وآلامهم، بوجعهم وفرحهم.

لن أتحدث عن بيئة المجرم، ولا عمّن أيّد قتل السوريين وتعذيبهم وتجويعهم وتهجيرهم، ولكن سأتحدث عن بعض من رأى نفسه يوما ممثّلا لثورة السوريين وتطلعاتهم.

14 عاما من الثورة، فشلت المعارضة أفرادا ومجموعات في أن تفهم، ليس الشارع السوري فحسب، بل حتى التقاطعات السياسية إقليميا ودوليا؛ إلى أن جاءت "هيئة تحرير الشام" يومها من إدلب، وشنّت معركة "ردع العدوان"، وأطاحت بحكم الأسد، وأسقطت نظاما قمع السوريين واختطف سوريا لعقود من الزمن.

أن تعارض الحكومة السورية اليوم، فهذا ليس فقط حقا، بل هو واجب في كثير من الأحيان؛ فدون معارضة حقيقية لا تصلح الحياة السياسية، ولا تستقيم أمور الحكم. أن تعارض وتعترض على وصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم لأنه من خلفية إسلامية وجهادية، أمرٌ مفهوم ومنطقي؛ لكن غير المفهوم هو أن تتعاطى مع إلقاء القبض على أمجد يوسف بهذه البرودة، وتسخّف من مشاعر ملايين السوريين، لتتبنّى نظريات مؤامرة، وتحول لحظة كهذه إلى أمر ثانوي، أو لحظة عابرة، أو فرصة للانقضاض على الشرع وحكومته.

ما لم تقم به النخب السورية، وتحديدا العلمانية منها، هو مراجعة أين أخطأت. لم تُعد قراءة تجربة الثورة السورية وما تلاها بعقلٍ بارد، بل أصرّ بعضهم على الانفصال التام عن واقع الأرض، وكأنهم في برجٍ عاجي، كل ما عليهم فعله هو إلقاء المحاضرات بلغة لا يفهمها معظم السوريين.

لا شيء يشبه السوريين اليوم إلا ضحكات عناصر الأمن فرحا لحظة أمسكوا بالمجرم، وزغاريد النساء في كل أنحاء سوريا تضامنا مع نساء حي التضامن


المثقف الذي لا يعرف كيف ينخرط مع الإنسان العادي بالعمل، والذي يريد لتلك الفتاة الصغيرة- التي بكت وأبكت العالم معها وهي تحتفل في حي التضامن بإلقاء القبض على أمجد يوسف- أن تقرأ شريعة حمورابي قبل أن تبكي وتفرح. هذا النخبوي الذي يريد من السيدة التي عانقت حبل المشنقة في سجن صيدنايا لأنه يحمل رائحة عنق ولدها، أن تناقش أرسطو ومحاكمة سقراط قبل أن تعود إلى منزلها مع حبل المشنقة، لأنها لم تجد شيئا من ولدها لتأخذه.

لا شيء يشبه السوريين اليوم إلا ضحكات عناصر الأمن فرحا لحظة أمسكوا بالمجرم، وزغاريد النساء في كل أنحاء سوريا تضامنا مع نساء حي التضامن، وبكاء الرجال على عجوز صرخ وهو يسقط في الحفرة: "آخ… ضهري".

لم يتآمر العالم على المعارضة السورية "المدنية"، فما كان بحاجة ليفعل؛ لكن استمرار بعضهم بهذا النهج هو تآمر على أي فرصة لقيام تلك الدولة. عودوا إلى الشارع، لعلّ بعضه يعود إليكم؛ ففي سوريا مكانٌ يتّسع للجميع، بشرط أن تكون من ضمن هذا الجميع.

font change