مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية – في إشكالية التداخل بين التخصصات

الكاتب: د. وجيه كوثراني

الناشر: دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع– لبنان

ينطلق المفكر اللبناني وجيه كوثراني في كتابه "التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية" من أرضية قوية لبناء مقاربة فكرية نقدية، تهدف لإعادة النظر في مناهج كتابة التاريخ وعلاقته بالعلوم الاجتماعية والفلسفة. ينطلق المؤلف من إشكالية مركزية مفادها أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث كما يدرس في الأكاديميات، إنما هو مجال معرفي مركب يتداخل فيه التحليل الفلسفي مع علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، الأمر الذي يفتح المجال نحو فهم أعمق لتحولات المجتمعات والأمم.

في هذا الكتاب يحاول كوثراني النظر في النزعة التقليدية في التأريخ العربي، التي لطالما اعتمدت على السرد الوصفي أو التمجيدي، بمعنى وصف سير الحدث، وتمجيد طرف من أطراف الصراع، وإضفاء صفات بطولية عليه، بما يتناسب مع انحياز المؤرخ، دون أخذ السياقات الاجتماعية والسياسية التي أنتجت تلك الأحداث بعين الاعتبار. ويطرح رؤية حديثة للتاريخ بوصفه علما، ونقديا أيضا، ويستفيد في سبيل ذلك من مناهج متعددة التخصصات، ويخضع الروايات التاريخية للفحص والتحليل، بعيدا عن الأيديولوجيا أو الانحيازات المسبقة.

دعوة صريحة إلى تجديد علم التاريخ على المستوى العربي عبر الانفتاح على الفلسفة والعلوم الاجتماعية

يتوقف المؤلف عند العلاقة بين التاريخ والفلسفة، حيث يعتبر أن الفلسفة تمنح المؤرخ إمكانات للتأمل في مفاهيم مثل الزمن، والسببية، والذاكرة. كما يناقش كيف أسهمت المدارس الفلسفية الغربية: الوضعية والبنيوية وما بعد الحداثة وغيرها، في إعادة تشكيل فهمنا للتاريخ، سواء من حيث منهج البحث أو من حيث الحدث التاريخي ذاته الذي يشكل حقيقة تاريخية.

كما يسلط الكتاب الضوء على دور العلوم الاجتماعية في تطوير الدراسات التاريخية، وذلك من خلال التركيز على البنى الاجتماعية والاقتصادية خاصة، وليس فقط على الأفراد أو الأحداث الكبرى. فالتاريخ، وفق كوثراني، لا يمكن فصله عن ديناميات المجتمع وحركته، مثل الطبقات، والسلطة، والثقافة، الأمر الذي يجعل لعلم الاجتماع دروا رئيسا في إنتاج المعرفة التاريخية.

التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية

يناقش الكتاب كذلك إشكالية "المركزية الأوروبية" في كتابة التاريخ، ويدعو إلى ضرورة إنتاج روايات تاريخية بديلة تنبع من قلب تجارب المجتمعات غير الغربية، بما في ذلك العالم العربي، وذلك كي يتم تجاوز الرواية الغربية المتمركزة حول ذاتها للتاريخ. ويؤكد في هذا السياق أهمية إعادة قراءة التاريخ العربي والإسلامي بمنهجيات حديثة، تكشف تعقيداته وخصوصياته، لكي يتحرر من الصور النمطية التي أضفاها عليه الغرب.

لغة الكتاب تجمع بين العمق الأكاديمي والأسلوب التحليلي الواضح، ما يجعله مرجعا مهماً للباحثين والمهتمين بالفكر التاريخي. يقدم كوثراني دعوة صريحة إلى تجديد علم التاريخ على المستوى العربي عبر الانفتاح على الفلسفة والعلوم الاجتماعية، ويدعو لأجل ذلك إلى تبني مقاربات نقدية تساعد في فهم الماضي بطريقة أكثر علمية وإنسانية.

الكتاب: التشكيلي والسينمائي - تواطؤات جمالية

الكاتب: إبراهيم الحيسن

الناشر: دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع- الأردن

يجمع كتاب "التشكيلي والسينمائي- تواطؤات جمالية" للمؤلف المغربي إبراهيم الحيسن عالمين تعبيريين متداخلين: الفنون التشكيلية والسينما. ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن العلاقة بين الصورة الثابتة: اللوحة، والصورة المتحركة: السينما، ليست علاقة انفصال، إنما هي علاقة "تواطؤ جمالي" قائم على التبادل والتأثير المتبادل في بناء المعنى البصري.

يشتغل الحيسن على ما يمكن تسميته بإزالة الحدود التقليدية بين الفنون، حيث يعتبر أن الفن التشكيلي لم يعد، أو لم يكن أصلا، مجرد فضاء للوحة أو اللون، كما أن السينما لم تعد، أو لم تكن أصلا، فضاء بصريا يعتمد على الحركة والزمن، إنما كلاهما مطرح شاسع، تتقاطع فيه الرؤى البصرية، وإنتاج الواقع وإعادة إنتاجه عبر أشكال متعددة من التخييل. ومن هذا المنطلق يدرس الكتاب كيف تستعير السينما من التشكيل تقنيات التكوين البصري، مثل الكادر، والضوء، والظل، والتكوين اللوني، في حين يستفيد الفن التشكيلي من السينما في إدراك الحركة والزمن، وتعدد اللقطات داخل العمل الفني، في عملية تأثر وتأثير متبادل لا تنتهي.

يتيح الكتاب إثارة أسئلة جديدة حول كيفية إنتاج المعنى عبر الصورة، ويقترح قراءة أكثر مرونة للفن باعتباره شبكة من التداخلات الجمالية

يعتمد المؤلف على مجموعة من النماذج والأمثلة من السينما العالمية والفن التشكيلي الحديث والمعاصر، ليبين كيف تتجلى هذه "التواطؤات الجمالية" في أعمال فنية مثل كوروساوا وفيليني وتاركوفسكي، وغويا وماتيس وسيزان وغيرهم. كما يولي اهتماما خاصا بدور المتلقي، باعتباره فاعلا حاسما في إعادة قراءة اللوحة والصورة وفهم دلالاتها.

يجمع الكتاب بين التحليل الجمالي والنقد المتعدد، ويستفيد من وجهات نظر السيميائيات ودراسات الصورة، ويظهر فيه اهتمام واضح بتتبع تحولات الحس البصري في الثقافة المعاصرة، خاصة في ظل تطور الوسائط الرقمية وتداخل الفنون.

التشكيلي والسينمائي

قدم الكتاب الكاتب والناقد السينمائي السوري محمد عبيدو، واعتبره "ليس تأريخا جامدا لتقاطع الفنين، بل هو محاولة لفهم العلاقة العميقة التي تربط بين عدسة الكاميرا وفرشاة الرسام، وبين تكوين الكادر وتوزيع الأشكال، وبين الإضاءة في المشهد والضوء في اللوحة".

يتيح الكتاب إثارة أسئلة جديدة حول كيفية إنتاج المعنى عبر الصورة، ويقترح قراءة أكثر مرونة للفن باعتباره شبكة من التداخلات الجمالية لا يمكن حصرها في حدود نوع واحد من التعبير.

الكتاب: اشتعالات المعنى- مقاربات نقدية في النقد والإبداع

الكاتب: أحمد علي هلال

الناشر: دار توتول وأكاديمية دار الثقافة- سوريا

يقدم كتاب "اشتعالات المعنى- مقاربات نقدية في النقد والإبداع" قراءة تنتمي إلى حقل الدراسات الأدبية الحديثة، حيث يحاول الكاتب أحمد علي هلال استكشاف تحولات المعنى في النصوص الأدبية، وكيف يتشكل في اللغة والسياق والتلقي. ويندرج ضمن الاهتمام المتزايد بنظريات التأويل وتحليل الخطاب، وخاصة نظريات السيميائيات والتفكيكية.

ينطلق هلال من فكرة أن المعنى ليس ثابتا أو جاهزا داخل النص، بل هو كائن يولد عبر القراءة. ومن هنا، ربما، استوحى كلمة "اشتعال" كاستعارة تشير إلى لحظة انبثاق/اشتعال الدلالة وتكثفها داخل النص، الأمر الذي يجعل من القراءة فعلا إبداعيا لا يقل أهمية عن الكتابة نفسها.

يدعو إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالنصوص، والانتقال من استهلاك المعنى إلى المشاركة في صناعته

يعالج الكتاب نماذج من النصوص الشعرية والسردية، ويحللها لغويا ورمزيا، ليظهر كيف تتعدد مستويات المعنى فيها. ويناقش كذلك العلاقة بين النص وسياقه الثقافي، حيث إن أي قراءة معزولة عن محيطها الاجتماعي والتاريخي تبقى ناقصة. ويولي اهتماما خاصا بدور القارئ، بوصفه شريكا في إنتاج الدلالة، وليس مجرد متلق سلبي.

اشتعالات المعنى

ومن خلال هذا الطرح، يستند المؤلف على عدد من المرجعيات النظرية، مثل أعمال رولان بارت وجاك دريدا، حيث مفاهيم مثل "موت المؤلف" و"اللعب الدلالي" تساعد في فهم طبيعة النصوص المقروءة. وفي الوقت نفسه يحاول تكييف هذه المفاهيم مع السياق العربي، بما يراعي خصوصية اللغة والثقافة.

يمتاز الكتاب بحضور واسع للأمثلة التطبيقية التي تعزز الطرح النظري.

يقدم رؤية حديثة للقراءة من حيث هي عملية إنتاج مستمر للمعنى، ويعيد الاعتبار لدور القارئ في تشكيل النص. يمكن القول إنه كتاب يدعو إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالنصوص، والانتقال من استهلاك المعنى إلى المشاركة في صناعته.

الكتاب: التفاهة والتافهون - أسئلة وتحديات

الكاتب: تأليف جماعي

إشراف: د. مراد قواسمي، د. عبد القادر بوعرفة

الناشر: دار كنوز للطباعة والنشر والتوزيع- الجزائر

كتاب "التفاهة والتافهون- أسئلة وتحديات" هو عمل جماعي نقدي شارك فيه عدد من الكتاب وأساتذة الجامعات في الجزائر، ويندرج ضمن الدراسات الفكرية والاجتماعية التي تناقش مظاهر "التفاهة" وكيف تتجلى في الواقع الثقافي والإعلامي المعاصر، وكيف تحولت إلى ظاهرة متجذرة تتجاوز السلوك الفردي لتكون بنية اجتماعية وثقافية تساهم في إنتاج القيم والمعاني.

ينطلق الكتاب الذي أشرف عليه كل من دكتور مراد قواسمي ودكتور عبد القادر بوعرفة من فكرة مركزية تتمثل في كيفية أن التفاهة غدت عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي العام. ولمقاربة هذه الفكرة جمع المشاركون بين التحليل السوسيولوجي والنقد متعدد الوجوه، مع محاولة فهم السياقات التي سمحت بانتشار "التافه" بوصفه نموذجا مؤثرا في الفضاء العام وصانعا له، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي.

يرى الباحثون المشاركون أن التفاهة أصبحت مرتبطة بمنظومات إنتاج إعلامي واقتصادي، تشكل وتعيد تشكيل مفهوم النجاح والقيمة والمعرفة، ولم تعد مجرد انحراف فردي أو سلوك معزول مرتبط بفرد بعينه. وهنا يناقش الكتاب كيف يتم أحيانا كثيرة تفضيل المحتوى السهل والسريع والمثير على حساب العمق والمعرفة، الأمر الذي يؤدي إلى ترتيب سلم القيم داخل المجتمع من جديد.

قراءة نقدية لواقع معاصر يزداد فيه حضور السطحية في الفضاء العام، وتحاول فهم أسبابها وآليات اشتغالها

كما يتوقف الكتاب عند دور الجمهور المتلقي، حيث يعتبر أن انتشار التفاهة لا يمكن فهمه دون تحليل سلوك المتلقي نفسه، الذي قد يساهم في إنتاج وإعادة إنتاج هذا النوع من المحتوى عبر الاستهلاك والتفاعل والمشاركة. وبالتالي، تصبح التفاهة ظاهرة مشتركة بين الإنتاج والتلقي، وليست مسؤولية طرف واحد فقط.

التفاهة والتافهون

يوجه الكتاب نقدا حادا للمنظومة الثقافية والتعليمية، ويعتبر أنها في بعض المطارح والسياقات لم تعد قادرة على مقاومة تسطيح المعرفة، أو على إنتاج بدائل فكرية قادرة على المنافسة في فضاء إعلامي سريع ومكثف ولا يتوقف عن الضخ. كما يثير أسئلة حول دور النخب الثقافية في مواجهة هذا التحول، وحدود تأثيرها في زمن تتسارع فيه الصور والمحتويات التي توصف بالتفاهة.

تعدد الأصوات والمقاربات في الكتاب، منحه ثراء في الرؤية وتنوعا في زوايا المعالجة. فهو لا يقدم تعريفا واحدا مغلقا للتفاهة، إنما تعاريف ووجهات نظر متعددة، وبهذا يترك المفهوم مفتوحا للنقاش والتحليل، باعتباره ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.

كتاب "التفاهة والتافهون" هو قراءة نقدية لواقع معاصر يزداد فيه حضور السطحية في الفضاء العام، وتحاول فهم أسبابها وآليات اشتغالها، الأمر الذي يجعلها مساهمة في التفكير في مستقبل الثقافة والمعرفة في العصر الرقمي.

الكتاب: دروس استفدتها من التاريخ

الكاتب: إدغار موران

ترجمة: د. يوسف تيبس

الناشر: دار الفنك للنشر- المغرب

كتاب "دروس استفدتها من التاريخ" للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يمكن النظر إليه بوصفه خلاصة فكرية وإنسانية مكثفة لتجربة تمتد لأكثر من قرن من الزمن، حيث يقدم المؤلف تأملاته في التاريخ الذي يراه مخزونا حيا للدروس والعبر المرتبطة بمصير الإنسان.

في هذا الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية المترجم المغربي د. يوسف تيبس، يبتعد موران عن النزعة المدرسية في تقديم "دروس" جاهزة، ويتأمل نقديا في التجربة الإنسانية المعقدة والمتعددة الطبقات تعددا هائلا. فالتاريخ، كما يراه، مسار متعرج يجمع في آن واحد بين مظاهر الحضارة ونقائضها في آن معا، ليكشف بهذا عن أن المنجز البشري هش ومتداع مهما واصل ادعاءه بالعظمة والكمال.

ينطلق الكتاب من تجربة شخصية عميقة، إذ يستعيد موران محطات أساسية من حياته، من الحروب الكبرى إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها القرن العشرون وبداية الحادي والعشرين. ومن خلال هذه الاستعادة، يقدم رؤية مفادها أن فهم التاريخ لا يتم إلا لاحقا، وأن المستقبل يظل مفتوحا على مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها، وهو ما يجعل من الوعي التاريخي سبيلا للتواضع المعرفي والتشكك، وليس لليقين.

غني بالأفكار والتأملات، ويقدم للقارئ خلاصة تجربة فكرية طويلة عبر لغة تجمع بين العمق والوضوح

كما يركز الكتاب على فكرة أنه يجب أن ينظر إلى الإنسان والفكر والمجتمع بوصفهم ينطوون على تعقيد، وهذه الفكرة هي حجر الأساس في فكر موران، حيث يدعو إلى تجاوز النظرات الاختزالية للإنسان والفكر والمجتمع، والاعتراف بتعدد الهويات وتداخلها. فالإنسان، في نظره، كائن يحمل في داخله تناقضات لا يمكن حسمها بسهولة، وهو ما ينعكس بدوره على مسار التاريخ ذاته.

دروس استفدتها من التاريخ

يتناول موران كذلك قضايا معاصرة مثل العولمة، والتقدم التكنولوجي، والأزمات العالمية، حيث يؤكد أن التقدم لا يعني بالضرورة تحسنا في مصير الإنسانية، إنما قد يترافق مع أشكال جديدة من العنف أو اللامساواة. ومن هنا، تأتي دعوته إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالتاريخ بوصفه مرآة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

أسلوب الكتاب يتسم بالتكثيف والتركيز، فهو صغير الحجم نسبيا، لكنه غني بالأفكار والتأملات، ويقدم للقارئ خلاصة تجربة فكرية طويلة عبر لغة تجمع بين العمق والوضوح.

font change