السعودية وسياسة الحد الأدنى

السعودية وسياسة الحد الأدنى

استمع إلى المقال دقيقة

في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك فيه مسارات الصراع، لم يعد التصدع العربي مجرد احتمال، بل واقع يفرض نفسه على شكل المنطقة ومستقبلها. منذ سقوط نظام معمر القذافي، لم تستعد ليبيا توازنها إلى اللحظة، بل انزلقت إلى حالة ممتدة من التفكك وتنازع الشرعيات وغياب الأمن. تحولت الدولة إلى ساحة مفتوحة للتجاذب، حيث تتعدد مراكز القرار ويتراجع الإطار الجامع الذي يحفظ الاستقرار. وفي سوريا، لا يمكن اختزال ما جرى في معادلات سياسية أو عسكرية، بل هو جرح إنساني عميق، مدن أثقلها الدمار، وعائلات تفرقت، وأجيال نشأت تحت ظل الخوف، تبحث عن شيء من الطمأنينة فلا تجده بسهولة. هناك، تتراكم الخسارة في تفاصيل الحياة اليومية، لا في العناوين الكبرى فقط.

وفي اليمن، تآكلت الدولة تحت ضغط الحرب الممتدة، وتشظت السلطة بين قوى متعددة، بينما يعيش الناس بين نقص الموارد واستمرار القلق. ومع طول أمد الأزمة، لم تعد المشكلة فقط في الصراع ذاته، بل في آثاره العميقة على المجتمع والبنية الاقتصادية. أما العراق فلا يزال يعاني من آثار الانقسام وغياب السيادة، مما يجعل توازنه هشا وقابلا للاهتزاز عند كل اختبار جديد. وفي لبنان، تتجسد الأزمة في شلل سياسي واقتصادي يثقل كاهل المجتمع، ويقيد قدرته على الخروج من أزمته، في ظل تراجع الثقة وتردي نشاط المؤسسات.

وفي غزة، تتكثف المأساة إلى أقصى صورها، حيث يعيش السكان تحت ضغط متواصل من العنف والحصار، في مساحة ضيقة تختصر معنى الاختناق. هناك، لا تُقاس المعاناة فقط بما تهدّم من مبانٍ، بل بما يُعاش يوميا من نقص في أبسط مقومات الحياة، خوف دائم، وانتظار طويل لأي انفراج، وتمسك بما تبقى من الحياة وسط واقع يعيد إنتاج الألم بلا توقف. هذه المعاناة المستمرة لا تبقى محصورة في مكانها، بل تترك أثرا معنويا وسياسيا يتجاوز حدودها.

هذه المشاهد، على اختلافها، ليست حوادث منفصلة، بل تعبير عن حالة عربية عامة، حيث تتراجع الدولة أمام قوى التفكك، وتتسع مساحات الفراغ، وتزداد قابلية الإقليم للتدخل الخارجي. ومع كل أزمة، يتضح أن الانقسام لا يبقى محصورا، بل يمتد أثره، ويعيد تشكيل التوازنات بطريقة تضعف الجميع. لذلك لم يعد ممكنا التعامل مع هذه الأوضاع بمنطق جزئي أو مؤقت، لأن طبيعتها المركبة تتطلب رؤية أوسع.

لم يعد ممكنا التعامل مع هذه الأوضاع بمنطق جزئي أو مؤقت، لأن طبيعتها المركبة تتطلب رؤية أوسع

في هذا السياق، لا يعود الحديث عن توحيد الصفوف خيارا سياسيا قابلا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. لأن التحديات لم تعد محصورة في دولة بعينها، بل أصبحت شاملة، تمس الأمن والاقتصاد والسيادة في آن واحد. والتعامل معها بشكل منفصل لا يؤدي إلا إلى تعميقها، بينما يتيح التنسيق، ولو في حدوده الدنيا، تقليل آثارها واحتواء امتداداتها.

هنا تبرز السياسة السعودية بوصفها أقرب إلى منطق الجمع. هذا المنطق لا يقوم على إنكار الخلافات، بل على احتوائها داخل إطار يمنع تحولها إلى قطيعة. فالعلاقات، حتى حين تتوتر، لا تُغلق بالكامل، بل تُترك فيها مساحة لإعادة التوازن. هذه الرؤية تنطلق من إدراك أن الإقليم العربي، بحكم ترابطه، لا يحتمل انهيار الروابط بين مكوناته، لأن أي تفكك حاد يفتح المجال لاضطرابات أوسع.

سياسة الجمع، في هذا المعنى، ليست دعوة إلى وحدة شكلية، بل إلى بناء حد أدنى من التماسك يسمح بإدارة الخلاف دون أن يتحول إلى صراع مفتوح. وهذا يتطلب قدرا من الصبر والتدرج، لأن إعادة ترتيب العلاقات في بيئة معقدة لا تتم عبر قرارات حادة، بل عبر مسار طويل يخفف التوتر ويعيد الثقة تدريجيا. استعادة الثقة أساسية، لكن المطالبة بأساس تقوم عليه ليس عيبا.

في المقابل، فإن إدارة العلاقات بشكل منفصل، أو إعادة تشكيلها وفق مصالح آنية ضيقة، قد تمنح حرية حركة أكبر على المدى القصير، لكنها تضعف البنية العامة للإقليم. لأن العلاقات التي تُبنى على الفصل السريع تكون أكثر عرضة للتفكك، ومع تكرار هذا النمط، تتآكل القدرة على بناء إطار جامع عند الحاجة. وهنا تظهر كلفة هذا الخيار، ليس فورا، بل عند اشتداد الأزمات.

التحديات الحالية، من صراعات ممتدة إلى تحولات دولية عميقة، تفرض على الدول العربية أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع محيطها. فالعالم يتغير بسرعة، والقوى الكبرى تعيد رسم مناطق النفوذ، ولا يمكن مواجهة هذه التحولات بفعالية من خلال سياسات فردية فقط. فصوت المجتمعين، حتى لو لم يكن متطابقا تماما، يمنح حضورا أكبر وقدرة أعلى على التأثير.

كما أن التحولات الاقتصادية، وما تفرضه من إعادة صياغة لنماذج التنمية، تحتاج إلى تنسيق يخفف من حدة التنافس ويمنع تحوله إلى عامل إضعاف. التعاون في هذا المجال لا يلغي المصالح الخاصة، لكنه يضعها ضمن إطار يحقق توازنا أوسع، ويمنع انزلاق التنافس إلى صراع يضر بالجميع، خصوصا عندما يكون الحديث عن أسواق الطاقة، عصب الحياة.


توحيد الصفوف لا يعني الوصول إلى اتفاق كامل في كل القضايا، بل الاتفاق على حد أدنى من الرؤية المشتركة

في النهاية، توحيد الصفوف لا يعني الوصول إلى اتفاق كامل في كل القضايا، بل الاتفاق على حد أدنى من الرؤية المشتركة. هذا الحد الأدنى هو ما يحفظ التوازن، ويمنع الانزلاق نحو مزيد من التفكك. وفي ظل ما يعيشه العالم العربي اليوم، يبدو أن هذا الخيار لم يعد مجرد احتمال، بل ضرورة لا يمكن تجاوزها.

ومن هنا، فإن أي سياسة تسعى إلى الجمع، وإلى إبقاء الروابط قائمة، تكتسب أهمية خاصة وتستحق المزيد من التأييد، لأنها لا تعالج أزمة آنية فقط، بل تؤسس لإمكانية الاستقرار في المستقبل. وفي عالم سريع التغير، يبقى التماسك، ولو في حدوده الدنيا، هو الرهان الأكثر عقلانية، لأنه لا يقوم على مكاسب لحظية، بل على القدرة على البقاء.

font change