أواخر الشهر المنصرم، أصدر "حزب الشعب الجمهوري" التركي المعارض بيانا يندد بتقرير اللجنة البرلمانية المشكلة بشأن "المسألة الكردية"، شاجبا ما اعتبره الحزب مسّاً بـ"جمهورية أتاتورك"، لأن التقرير تضمن قراءات وتفسيرات تعتبر أن السلوك القومي الإقصائي للجمهورية التركية في سنوات تأسيسها كان مصدرا لاندلاع الثورات القومية الكردية، وتاليا المسألة الكردية نفسها. وفي الأسبوع ذاته، أصدر الحزب المذكور بيانا بمناسبة الذكرى الرابعة والخمسين لإعدام دنيز كزميش، الثوري اليساري التركي، وأحد قادة "جيش التحرير الشعبي التركي"، وعقد ندوة احتفائية به في العاصمة أنقرة، مصنفا إياه بوصفه تركياً "أراد لبلاده أن تكون أقوى".
المثير للانتباه أن أكبر أحزاب المعارضة التركية، وأحد أعرق الأحزاب السياسية وصاحب التجربة السياسية الأكثر ثراء في التاريخ الحديث لكامل دول منطقتنا، لم يلاحظ التناقض الجذري بين الأمرين: دفاعه المستميت عن الجذر الهيكلي للنمط الأتاتوركي للجمهورية التركية الحديثة، ورفضه المس به ولو على مستوى النقد أو حتى في سبيل تحقيق السلام السياسي والاجتماعي في البلاد، والاحتفاء في الوقت نفسه بواحدٍ من رموز الثورية "الأناركية" في تركيا، الذي كان يتطلع ويسعى لتحطيم "جمهورية أتاتورك" نفسها، مستلهما نمط تشي غيفارا.
بوضوح، يبدو المشترك بين الأمرين هو "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، الغريم السياسي المباشر لـ"حزب الشعب الجمهوري". فالعقل الباطن للحزب المعارض يعمل حسب آلية تعتبر كل ما يساند الحزب الحاكم أمرا سيئا، والعكس صحيح. فالتقرير البرلماني هو واحد من إنجازات العدالة والتنمية، وبذا لا بد من التنديد به، وينتمي كزميش إلى العالم الرمزي لليسار، وبذا فهو مناهض لـ"حزب العدالة الإسلامي" المحافظ، وتاليا يجب الاحتفاء به من وجهة نظر "حزب الشعب الجمهوري"، حتى لو لم يكن هذا التنديد وذاك الاحتفاء متأتيا من المعتقدات السياسية والأيديولوجية للحزب، وإن كانت متناقضة فيما بينها.
في العراق مثلا، ما إن تنتهي الانتخابات، وتبدأ آليات تشكيل الحكومة والمؤسسات السلطوية، حتى تختفي كل التناقضات الأيديولوجية والسياسية والخطابية بين مختلف الأحزاب
لكن الأكثر إثارة للانتباه هو كون "حزب العدالة والتنمية" الحاكم يفعل الأمر نفسه، وفي مرات لا تعد. فأدبيات وسلوكيات عمله السياسي متخمة بسيل من المواقف والخيارات شديدة التناقض فيما بينها، الجامع الوحيد لها هو مخالفتها لخيارات "حزب الشعب الجمهوري"، وباقي قوى المعارضة.
بهذا المعنى، نحن أمام ظاهرة تتمثل بضمور أولوية ومركزية البنى العقائدية والسياسية الواضحة للأحزاب، مقابل تضخم الخيارات اليومية والانفعالية والمباشرة، الناجمة عن التفاعل "المصلحي" والآني مع لوحة الحياة العامة، أيا كانت درجة التناقض بين تلك الخيارات، ومهما كانت مستويات مناهضتها للجذور العقائدية والتاريخ السياسي للحزب نفسه.
لا تنتشر هذه الظاهرة في تركيا فحسب، بل هي عامة وطاغية على كثير من بلدان منطقتنا. ففي العراق مثلا، وما إن تنتهي الانتخابات، وتبدأ آليات تشكيل الحكومة والمؤسسات السلطوية، حتى تختفي كل التناقضات الأيديولوجية والسياسية والخطابية بين مختلف الأحزاب، بين اليساريين والإسلاميين والقوميين العرب والأكراد والتركمان والليبراليين والوطنيين وحتى البيئيين، وتغدو السلطة وديناميكيات الوصول إليها ونيل قسط من خيراتها جذرا وحيدا لتأطير وإرشاد سلوك كامل حلقة الفاعلين في الحقل السياسي.
مثلما يحصل في العراق، تتصرف التيارات السياسية في البلدان التي تشهد حياة سياسية معقولة، مثل لبنان والمغرب والكويت والأردن. إذ ثمة فيض من القوى السياسية المستندة إلى بضع المقولات والجذور الأيديولوجية الأولية، لكنها تبقى مقولات ومعتقدات على مستوى الخطاب فحسب، لا تؤثر قط على السلوك والخيارات السياسية، فهي أحزاب وقوى سياسية قابلة وجاهزة لفعل كل شيء عمليا على أرض الواقع، يوصلها أو حتى يقربها من نواة السلطة ومنافعها.
لكن الأحزاب القابلة لفعل كل شيء هي أحزاب لا تفعل شيئا تقريبا. ليس في هذا حكم قيمة أخلاقية، بل هو المنطق الأولي للممارسة السياسية الطبيعية. فالجذر الفكري والمنطق الأولي لتشكيل الأحزاب السياسية في الحياة الديمقراطية هو الإيمان بوجود تباينات في الرؤى والمصالح بين الطبقات الاجتماعية، وبغية تمثيل جميع تلك الاختلافات في بنية السلطة التشريعية (البرلمان) وفتح المجال أمام واحد أو آخر منها لقيادة دفة السلطة السياسية والتنفيذية في البلاد بشكل مؤقت ومؤطر، انبثقت الأحزاب السياسية، لتكون أداة ومنصة تحاول تفكيك تلك التباينات عبر الصراع السلمي والمؤطر قانونيا بين تلك الأحزاب السياسية.
بذا، فإن تلاشي المسافة بين الخيارات السياسية والسلوكية بين مجموع الأحزاب الناشطة في دولة ما وتطابقها، طلبا للسلطة، لا يعني تلاشي التباينات الطبقية والأيديولوجية في بنية المجتمع، بل يعني إنكارها ورفض التفكير بها ومحاولة إيجاد مخارج آمنة لها، عبر المؤسسات التمثيلية والدستورية. وحينما يحدث ذلك، تتحول الأحزاب السياسية حسب تلك الآلية إلى محركات للاستقطاب لا التوافق. فبدلا من تعزيز إيمان القواعد الاجتماعية بأن معضلتها سوف تفكك عبر الأحزاب السياسية التي ستوفر أحقية نقل "مظلوميتها" إلى نواة السلطتين التشريعية والتنفيذية، تفقد تلك القواعد إيمانها بأي عمل سياسي، وتاليا نكوصها نحو المزيد من الانتماءات غير السياسية، القومية والدينية والطائفية والمناطقية.
ففي مجمل تجارب الدول الإقليمية المذكورة، ولو استعرضنا كامل لوحة الأحزاب السياسية الناشطة والمتصارعة بكثافة فيما بينها، هل لأحد أن يخبرنا عن أي مواقف أو سلوكيات أو قرارات متباينة قد اتخذتها تلك الأحزاب المتصارعة بشأن مسائل مثل "الصراع الطبقي"، و"التعليم العام"، و"فساد المؤسسات"، و"استقلالية القضاء"، و"المساواة الجندرية"، و"مكافحة التمييز والخطاب العنصري". هذه القضايا التي تشكل جوهر الجدال والصراع السلمي بين القوى السياسية في "المجتمع السياسي" لأي نظام ديمقراطي حديث و"محترم". وانتفاء النقاش والصراع والمواقف المتباينة بشأنها لا يعني مزيدا من "الاحترام"، بل مزيدا من التواطؤ.