يفترض نظريا على الأقل، أن شبكة الوكلاء الإيرانية التي بناها النظام على مدى أربعة عقود ستواجه مصيرا غامضا بعد الحرب، سواء انتهت هذه المواجهة بسقوط النظام في طهران أو بالتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يعيد تشكيل سلوكه. لكن الواقع أكثر تعقيدا من مجرد افتراض زوال هذه الأذرع بمجرد انتهاء المعركة. إذ ثمة اختلافات جوهرية في قدرة كل فصيل على الصمود والبقاء في مرحلة ما بعد الحرب، وبعض هذه الفصائل قد يتلاشى بينما يتحول بعضها الآخر إلى مصدر قلق أكبر مما كان عليه قبلها.
الحقيقة أن هذه الميليشيات ليست نسخة واحدة متطابقة يمكن محوها بقرار سياسي أو ضربة عسكرية، وكل فصيل منها يمتلك ظروفا جغرافية وسياسية واقتصادية مختلفة تحدد قدرته على الاستمرار من عدمها، ومن يتتبع خريطة هذه الأذرع اليوم يجد تفاوتا بين من يلفظ أنفاسه ومن يتأقلم ويتمدد في الفراغ، ففي لبنان يشهد "حزب الله" تراجعا غير مسبوق بعد الضربات القاصمة التي طالت قياداته وبنيته التحتية وشبكة اتصالاته، بالإضافة إلى المتغيرات السياسية في الساحة اللبنانية، ومع ذلك يظل عنصرا في المشكلة لا الحل بمستقبل لبنان، حتى لو اضطر للتعايش مع حجمه الجديد، إما بالتحول إلى التركيز على العمل السياسي والقبول بقواعد اللعبة الداخلية، وإما بالانزلاق نحو مزيد من العزلة حتى يصبح عبئا على بيئته الحاضنة ذاتها.
في اليمن، يبدو المشهد مختلفا، حيث يرجح أن ينحسر تأثير الحوثي تدريجيا ليتحول إلى مجرد مكون سياسي محلي في مستقبل اليمن، خاصة إذا تخلت عنه طهران ضمن أي تسوية قادمة، وهذا التراجع المتوقع يعود إلى عزلته الجغرافية، وافتقاره إلى حاضنة تدعمه خارج المظلة الإيرانية وانعدام أي علاقات دولية حقيقية تمنحه شرعية أو اعترافا، مما يجعله الحلقة الأضعف في سلسلة الوكلاء متى ما توقف الدعم، والأرجح أنه سيجد نفسه مضطرا للقبول بمقعد على طاولة التسوية اليمنية بدلا من ادعاءات السيطرة.
هذه الميليشيات، قد تتحول إلى مصدر القلق الأول في المنطقة إذا لم تكن هناك التفاتة أميركية وداخلية جادة لتغيير الوضع الحالي
أما في العراق، وهنا يكمن القلق الأكبر، حيث تمأسس "الحشد الشعبي" وتغلغل في المكون العسكري والسياسي للدولة العراقية بأعداد كبيرة وبنفوذ يتجاوز كونه ميليشيا إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة، وهذا التغلغل مدعوم بالعامل الجغرافي المتمثل في الحدود الطويلة والمفتوحة مع إيران، والذي يمنح هذه الفصائل قدرة استثنائية على البقاء ويوفر لطهران فرصة استمرار الدعم السري حتى لو حظر أي اتفاق مستقبلي ذلك علنا.
الأخطر من ذلك أن هذه الميليشيات، قد تتحول إلى مصدر القلق الأول في المنطقة إذا لم تكن هناك التفاتة أميركية وداخلية جادة لتغيير الوضع الحالي، وذلك لأن العراق يمثل الرئة الاقتصادية والعمق الأهم لإيران، والتفريط في معالجة هذا الملف يعني ترك قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، خاصة مع تحول هذه الفصائل إلى هيكل قيادة لامركزي يصعب تتبعه أو محاسبته، ومع وجود قادة ميدانيين قد يضطرون مستقبلا للارتجال بقراراتهم بمعزل عن طهران ذاتها، وهو ما يعني أن العراق قد يرث المشكلة الإيرانية كاملة حتى لو انتهت إيران كما نعرفها اليوم.
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل مصير هذه الأذرع عن مصير النظام الذي أنشأها وسلحها طوال عقود، إذا سقط ستفقد شريان حياتها وتتحول إلى عصابات محلية تتصارع على النفوذ دون غطاء أيديولوجي، وإذا بقي وتم قص أجنحته باتفاق دولي ستستخدم طهران هذه الأذرع كأوراق تفاوضية تبيعها وتشتريها وفق مصالحها دون اعتبار لمن قاتلوا باسمها لعقود، لكن في كلتا الحالتين لن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل فبراير/شباط 2026، والسؤال الذي يبقى... هل نحن أمام لحظة تاريخية نادرة لإنهاء ظاهرة الميليشيات العابرة للحدود في المنطقة، أم إننا سنكتشف بعد حين أن الأذرع التي ظننا أنها ماتت قد نبتت من جديد بأشكال أخرى وأسماء مختلفة؟