السعودية... بوصلة الاستقرار في منطقة مضطربة

السياسة السعودية في منظورها الاستراتيجي لا تبنى على ردات الفعل السريعة، ولا يؤثر فيها الطرح الشعبوي المتداول على منصات التواصل الاجتماعي

السعودية... بوصلة الاستقرار في منطقة مضطربة

استمع إلى المقال دقيقة

السياسة الخارجية السعودية ليست وليدة اللحظة، وليست نتاج ردة فعل على أزمة عابرة أو استجابة لضغوط آنية، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من الخبرة في التعامل مع المنعطفات الكبرى التي عصفت بالشرق الأوسط طوال عقود، وفي كل أزمة كانت الرياض تثبت أن بوصلتها موجهة نحو الاستقرار الإقليمي وحماية الدولة الوطنية، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة أو الانجرار خلف الشعارات الرنانة، وهذا النهج التاريخي المتزن هو الذي مكنها من عبور حقول الألغام السياسية والأمنية التي أسقطت دولاً وأنظمة، ويحكم تعاملها اليوم مع أعقد أزمة تشهدها المنطقة.

في خضم حرب إيران الأخيرة، برز الموقف السعودي كنموذج للسياسة العقلانية التي تضع المصالح الوطنية العليا فوق كل اعتبار، ورغم محاولات أطراف عدة جر المنطقة بأسرها إلى قلب هذا الصراع، فإن الرياض حافظت على مسافة تضمن أمنها وتمنع تحول أراضيها أو أجوائها إلى ساحة لتصفية الحسابات. وحين طُلب فتح أجوائها ومنشآتها أمام العمليات العسكرية ضد إيران جاء الرفض السعودي قاطعًا، في رسالة واضحة بأن السيادة ليست محل مساومة، وأن الأمن الوطني للمملكة لا يخضع لأجندات الآخرين، وهذا الموقف ترافق مع حراك دبلوماسي مكثف لاحتواء التصعيد، إدراكاً بأن أي شرارة إضافية ستشعل حريقاً يلتهم مقدرات المنطقة.

هنا تبرز نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الانجرار إلى هذه الحرب كان في جوهره غاية إسرائيلية بامتياز، حيث سعت تل أبيب بكل السبل لتوسيع رقعة الصراع وتوريط دول المنطقة في مواجهة مباشرة مع طهران، بهدف خلط الأوراق وإعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، بما يخفف عنها عبء المعركة المنفردة، لكن صانع القرار في الرياض أدرك هذا الفخ مبكراً، وتعامل معه بطريقة فوتت الفرصة على من أراد تحويل الخليج إلى درع بشري في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وهذا الوعي هو ما حمى المنطقة من الانزلاق نحو الهاوية.

الحكمة في السياسة بشكل عام هي القدرة على توجيه المسار بما يخدم المصالح العليا ويجنب الأوطان ويلات الحروب، والسياسة السعودية بوضوحها وثباتها تقدم نموذجاً للدولة التي تدرك حجم مسؤولياتها التاريخية

وحين جاءت الهدنة وانتقل الملف إلى طاولات التفاوض في باكستان، لم يتغير جوهر الموقف السعودي، بل انتقل إلى محاولة تحصين المسار السياسي، حيث رحبت الرياض بوقف إطلاق النار ودعت إلى تهدئة شاملة، مع التشديد على ضرورة وقف الهجمات التي طالت دول الجوار وفتح مضيق هرمز لضمان أمن الملاحة العالمية، وفي الوقت ذاته أكدت حقها الكامل في الدفاع عن سيادتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها بكل الوسائل المتاحة، وهذه المعادلة الدقيقة بين الانفتاح على الحلول الدبلوماسية والحزم في حماية السيادة هي ما يميز النهج السعودي. 
الحقيقة، ثمة ما يفسر هذا السلوك المتسق، وهو أن السياسة السعودية في منظورها الاستراتيجي لا تبنى على ردات الفعل السريعة، ولا يؤثر فيها الطرح الشعبوي المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، وهذه المنصات التي تعج بالتحليلات السطحية والمطالبات العاطفية والانفعالات اللحظية لا يمكن أن تكون موجهاً لسياسة دولة بحجم المملكة العربية السعودية، كما أن الدبلوماسية السعودية لا تتبدل وفق التحليلات الدعائية التي تروجها بعض مراكز الأبحاث ذات الأجندات المعروفة، والتي تحاول فرض سرديات تخدم أهدافها، وإنما هي سياسة نابعة من فهم عميق للواقع السياسي المعقد، وترتكز على ثوابت وشواهد تاريخية بنت الخط الثابت والمتزن للدبلوماسية السعودية، وذلك لأن القرارات الاستراتيجية لا تصاغ بتأثير حملات وسائل التواصل الاجتماعي التي تتبخر مع أول أزمة جديدة، وإنما تنبع من رؤية بعيدة المدى تأخذ في حسبانها تعقيدات المشهد ومآلاته المستقبلية. 
نتائج هذه السياسة المتزنة تبدو جلية اليوم، فبينما تدفع دول وشعوب أخرى ثمن الانخراط في صراعات لا طائل منها، تواصل السعودية مسيرتها التنموية بخطى ثابتة، محصنة جبهتها الداخلية ومحافظة على شراكاتها، وفي الوقت الذي تتخبط فيه أطراف أخرى بين سرديات الانتصار الوهمي ومرارة الهزيمة الواقعية، تقف الرياض كصوت للعقل يدعو إلى تغليب لغة الحوار واحترام سيادة الدول. 
أخيراً... الحكمة في السياسة بشكل عام هي القدرة على توجيه المسار بما يخدم المصالح العليا ويجنب الأوطان ويلات الحروب، والسياسة السعودية بوضوحها وثباتها تقدم نموذجاً للدولة التي تدرك حجم مسؤولياتها التاريخية، وتعرف كيف تحمي مكتسباتها، وما نراه اليوم هو ثمرة عقود من الحكمة التي أثبتت أن الحفاظ على المبادئ أجدى من الركض خلف كل عاصفة.

font change