موراكامي ولغة الكتابة

موراكامي ولغة الكتابة

استمع إلى المقال دقيقة

في كتابه "مهنتي هي الرواية"، يوضح هاروكي موراكامي النهج الذي سلكه كي "يتخلى عن الأدب". وهو يبين أنه لم يكفه، من أجل ذلك، أن يدير ظهره لتراثه ولغته القومية، وإنما أن يستبعد كل ما يذكر بذلك، بما فيه أدوات العمل التي كرسها التراث، لذا، فهو يبدأ بالتخلص من أوراق الكتابة وقلم الحبر، "ذلك أن وجودهما أمامي، كما يقول، يشعرني بأن ما أفعله يدخل في حيز الأدب".

لذا سيلجأ إلى "وسيط" يفصله عن الكتابة ومناخها وأدواتها وتقاليدها، هذا الوسيط هو "الآلة الكاتبة": "أخرجت آلتي الكاتبة القديمة من الخزانة، ووضعتها مكان الأوراق". بل إنه يذهب أبعد من ذلك فعند محاولته كتابة رواية، سيتخلى حتى عن لغته القومية: "قررت، على سبيل التجربة، أن أكتب افتتاحية الرواية بالإنكليزية. قلت في نفسي: "لم لا؟ ما دمت سأخالف عرفا من أعراف الكتابة، فلماذا لا أمضي إلى آخر الطريق؟".

لم يكن اللجوء إلى الإنكليزية انبهارا بلغة مستعمِر، ولا رضوخا لهيمنة لغوية أو بحثا عن اعتراف، ولا حتى شعورا بالتمكن من لغة من اللغات: "كانت قدراتي في الكتابة بالإنكليزية متواضعة بطبيعة الحال". فهذا التوجه نحو لغة لا يتقنها، لم يكن ليدخل إلا في سعيه نحو "التخلي عن الأدب"، والتحرر مما ترسخ من أساليب، وما تكرس من أعراف، بهدف بناء أسلوب شخصي ينحو نحو البساطة، ويرسي موسيقى مغايرة: "كان لا بد من أن أكتب بلغة بسيطة، وأن أعبر عن أفكاري تعبيرا يسهل فهمه، وأن تكون الأوصاف خالية من أي دسم زائد، وأن يكون الشكل مضغوطا، وكل شيء مرتبا بحيث يدخل في وعاء محدود الحجم. كانت النتيجة نثرا فجا، غير مصقول. لكنني أثناء معاناتي هذه في التعبير عن أفكاري، بدأت أرى إيقاعا مميزا يتشكل".

لم يعد موراكامي يطيق ما تشبع به من "مفردات اليابانية وتراكيبها (أي المحتوى اللغوي) إلى حد الانفجار". فلما حاول أن يدون أفكاره ومشاعره، "بدأ ذلك المحتوى اللغوي يدور بجنون، ما أفضى أحيانا إلى تعطل في نظامي، إن جاز التعبير".

حسنة اللغة الأجنبية أنها أخذت تخفف عنه من ضغوط التراث، وتحرره من أعرافه، وتخرجه من الأدب وتاريخه، وتفتح أذنيه على موسيقى جديدة: "أما الكتابة بلغة أجنبية، على ما فيها من حدود، فلا تشكو من هذا الخلل. وقد جعلتني أدرك أن بإمكاني التعبير عن أفكاري ومشاعري بقدر محدود من المفردات والبنى اللغوية ما دمت أستطيع أن أدمج بينها بكفاءة، وأربط بعضها ببعض بمهارة. في نهاية المطاف، تعلمت أنه لا توجد حاجة إلى كثير من الكلمات الصعبة، أي إنني لم أكن مضطرا إلى استعراض قدراتي اللغوية لأثير إعجاب القارئ".

حسنة اللغة الأجنبية أنها أخذت تخفف عنه من ضغوط التراث، وتحرره من أعرافه، وتخرجه من الأدب وتاريخه، وتفتح أذنيه على موسيقى جديدة

نعرف أن كثيرا من الكتاب يعشقون هذه البينية اللغوية، هذا إن لم يجدوا أنفسهم متورطين فيها، ويكفي أن نذكر على سبيل المثال، صامويل بيكيت، وميلان كونديرا، والكاتبة المجرية أغوتا كريستوف، التي يشير إليها موراكامي في هذا الكتاب، ويتحدث عن تجربتها اللغوية بنوع من الإعجاب.

لكن، بينما نجد أن هؤلاء تخلوا عن لغتهم القومية ليأخذوا في الكتابة بلغة أجنبية، شأن كونديرا وكريستوف مع اللغة الفرنسية، بل لينقلوا ما سبق أن ألفوه بلغتهم إلى اللغة الجديدة، فإن موراكامي لم يجئ إلى الإنكليزية إلا بصفة مؤقتة، وإلا بهدف اكتشاف أسلوب مغاير، والتعود على إيقاع جديد، إذ سرعان ما سيحاول العودة إلى يابانيته، بل سرعان ما سيتخلص حتى من الوسيط الآلي: "أعدت آلة الكتابة إلى الخزانة، وأحضرت أوراق الكتابة وقلم الحبر مرة أخرى".

إنها العودة إلى الكتابة بعيون وآذان أخرى.

الخروج إلى اللغة الأجنبية، ثم العودة إلى اللغة الأم، عن طريق الترجمة، كانت نتيجتهما أن "تكشف على نحو حتمي أسلوب جديد باللغة اليابانية، الأسلوب الذي اكتشفته فأصبح أسلوبي. قلت في نفسي: "الآن فهمت. هكذا ينبغي لي أن أكتب". كانت لحظة من الوضوح التام، زالت فيها الغشاوة عن عيني".

هذه العودة، وذلك الخروج، خففا عن الكاتب الياباني ضغط التراث اللغوي، ومكناه من أسلوب مغاير يسمح بنوع من التحرر: "ما كنت أسعى إليه عبر الكتابة بالإنكليزية أولا، ثم الترجمة إلى اليابانية، هو أن أبتدع أسلوبا بسيطا محايدا، يتيح لي حرية الحركة".

لا تتمثل وظيفة الترجمة هنا فحسب، في تبسيط اللغة القومية وتخفيفها، وإنما في كونها تسعى إلى تخطي نوع من الأدب يثقل كاهل الكاتب الياباني، ما يسميه الأدب الجاد: "لم أكن أسعى إلى إنتاج شكل مخفف من اللغة اليابانية، بل أردت توظيف نوع منها يبتعد قدر الإمكان عن قيود الأدب الجاد، كي أستطيع التحدث بصوتي الطبيعي. هذا هو السبب في اتخاذي ذلك الإجراء. بل يمكنني القول إنني في ذلك الوقت ربما نظرت إلى اللغة اليابانية بوصفها أداة وظيفية لا أكثر".

هنا يغدو المرور عبر اللغة الأجنبية زرعا لبذرة أجنبية في تربة قومية وأداة مساعدة لإبداع أسلوب مغاير في الكتابة

ليس الخروج إلى اللغة الأجنبية هنا افتتانا بلغة مستعمر، مثلما أن الترجمة ليست هنا بحثا عن اعتراف آخر، إنها بالأولى تمرين على الكتابة، وتفعيل للاختلافات اللغوية من شأنهما أن "يطهرا" اللغة القومية، ويحولا موسيقاها، فيسمحا للكاتب أن يبدع الأسلوب الذي يلائمه.

هذا بالضبط ما وقع للمجرية أغوتا كريستوف حسب موراكامي: "فقد نجحت عبر الكتابة بلغة أجنبية في ابتداع أسلوب جديد تفردت به".

هنا يغدو المرور عبر اللغة الأجنبية زرعا لبذرة أجنبية في تربة قومية وأداة مساعدة لإبداع أسلوب مغاير في الكتابة، و"نقل أعضاء وفسائل لاستنباتها في اللغة القومية". إنها وسيلة لبلوغ النص بالخروج منه عسى أن يغتني بما يفقده ويتخلص منه.

font change

مقالات ذات صلة