يحتل التاريخ مكانة محورية في الفلسفة الألمانية عموما، منذ هيغل وحتى هايدغر. لكن هايدغر قدم فهما مختلفا وعميقا للتاريخ، لا بوصفه مجرد حركة أحداث أو تقدم حضاري، بل بوصفه تحولا في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم ويعيش داخله.
كان الإنسان القديم ينظر إلى العالم بطريقة تختلف جذريا عن نظرة الإنسان الحديث. فالشجرة ليست خشبا قابلا للاستثمار فحسب، والنهر ليس طاقة يمكن تحويلها إلى كهرباء فحسب، والأرض ليست مادة خاما للإنتاج فحسب. ولهذا السبب ظهرت فكرة مارتن هايدغر، أن التاريخ ليس كناية عن تعاقب أحداث سياسية أو عسكرية، بقدر ما أنه تحول عميق في الطريقة التي ينكشف بها الوجود للإنسان. ومن هنا يمكن فهم العبارة التي تبدو غامضة لأول وهلة: التاريخ طريق انكشاف الوجود.
المقصود بالوجود هو طريقة ظهور الأشياء ومعناها بالنسبة إلينا. فهناك فرق بين "الموجود" و"الوجود". الموجود هو الشجرة أو الجبل أو الإنسان أو غيره، أما الوجود فهو الطريقة التي يظهر بها كل ذلك لنا ويصبح ذا معنى داخل عالمنا. ولذلك فإن سؤال هايدغر الأساسي يتعلق بكيفية ظهور العالم للإنسان أكثر مما يتعلق بالأشياء الموجودة نفسها.
حين يقول إن التاريخ طريق لانكشاف الوجود فهو يقصد أن كل عصر تاريخي يمتلك طريقة خاصة يرى بها العالم. الإنسان لا يعيش داخل فراغ، بل داخل أفق كامل من الفهم يحدد له ما هو الحقيقي، وما هو المهم، وما معنى الإنسان والطبيعة والحقيقة. ولذلك فإن التاريخ في جوهره هو تغير في طريقة فهم الوجود نفسه أكثر مما هو مجرد تغير في الوقائع.
يضرب لنا هايدغر مثالا ضمنيا بالحضارة الإغريقية، فالإغريق نظروا إلى الطبيعة بوصفها حضورا ينكشف تدريجيا. كان البحر عندهم يحمل رهبة وغموضا، وكانت الطبيعة شيئا يستحق التأمل والإنصات. أما الإنسان الحديث فينظر إلى البحر بوصفه موردا اقتصاديا، أو ممرا تجاريا، أو موقعا لاستخراج الطاقة. البحر نفسه لم يتغير، لكن طريقة ظهوره للإنسان هي التي تغيرت. هنا بالضبط يظهر معنى "انكشاف الوجود".
الإنسان الحديث يريد أن يقيس كل شيء، ويخزن كل شيء، ويحول كل شيء إلى بيانات قابلة للاستعمال
ولهذا صار ينظر إلى الحداثة على أنها ليست مجرد تطور علمي، بل تحول ميتافيزيقي كامل. ففي العصر الحديث أصبح العالم يفهم من خلال الحساب والسيطرة والفعالية التقنية. الإنسان الحديث يريد أن يقيس كل شيء، ويخزن كل شيء، ويحول كل شيء إلى بيانات قابلة للاستعمال. حتى الإنسان نفسه بدأ يظهر بوصفه رقما في نظام اقتصادي أو تقني. العامل يصبح "موارد بشرية"، والطبيعة تصبح "مصادر طاقة"، والمعرفة تصبح "معلومات". هذه ليست تغييرات لغوية فحسب، إنما هي تغير في طريقة انكشاف العالم كله.
ومن هنا جاء نقد هايدغر للتقنية الحديثة، انطلاقا من أن الخطر الحقيقي أعمق بكثير. الخطر هو أن الإنسان لم يعد يرى العالم إلا بعين الاستعمال والسيطرة. الشجرة لم تعد شجرة، بل كمية خشب محتملة، في طريقها إلى الموقد. والنهر لم يعد نهرا، بل مشروعا للطاقة. وحتى الإنسان قد يتحول إلى ملف بيانات يمكن التحكم فيه وتحليله. وهكذا يصبح العالم كله مخزونا جاهزا للاستخدام.
ولا أقول إن الإنسان اختار هذا الوضع بحرية كاملة. فكل عصر تاريخي يفرض نمطا معينا للفهم. الإنسان ابن عصره من حيث لا يشعر. ففي العصور الوسيطة كان العالم ينكشف بوصفه من ملكوت السماء، وفي العصر الحديث ينكشف بوصفه موضوعا للسيطرة التقنية. ولذلك، عندما يتحدث هايدغر عن التاريخ، فهو لا يقصد شيئا نصنعه بالكامل، بل هو شيء نلقى داخله ونفكر من خلاله.
ولكي نفهم الفكرة بصورة أبسط يمكن استعمال مثال الهاتف الذكي. الإنسان القديم لو رأى الهاتف لاعتبره شيئا سحريا أو غامضا، أما الإنسان الحديث فلا يرى فيه إلا أداة للاتصال والعمل والإنتاج والترفيه. لكن الأهم من الهاتف نفسه هو أن الإنسان المعاصر بدأ ينظر إلى ذاته أيضا بالطريقة التقنية نفسها. فهو يقيس يومه بالأرقام، وعدد المتابعين، وساعات الإنتاج، وكمية الإنجاز، ونسب النجاح، وكأن حياته كلها مشروع حسابي دائم. هنا يظهر كيف أن التقنية ليست مجرد أدوات خارجية، بل طريقة كاملة لفهم الوجود.
كان هايدغر يمنح الشعر مكانة كبرى، لأنه يسمح للأشياء بأن تظهر كما هي، لا بوصفها أدوات نافعة فقط
ومع ذلك لا يرى هايدغر أن المصير الإنساني انتهى. فهو يعتقد أن الفن والشعر والتفكير الفلسفي تستطيع فتح علاقة مختلفة مع العالم. حين يقف الإنسان أمام قصيدة عظيمة أو لوحة فنية أو منظر طبيعي ويتأمله دون رغبة في السيطرة عليه، فإنه يخرج مؤقتا من العقل الأداتي الحديث. ولذلك كان هايدغر يمنح الشعر مكانة كبرى، لأنه يسمح للأشياء بأن تظهر كما هي، لا بوصفها أدوات نافعة فقط.
في النهاية يريد هايدغر أن يقول إن التاريخ أعمق بكثير مما نظن. إنه ليس تاريخ ملوك وحروب وثورات فحسب، إنما هو تاريخ الطرق التي ظهر بها العالم للإنسان عبر العصور. كل عصر يفتح أفقا جديدا للفهم، ويجعل الإنسان يرى الحقيقة بطريقة مختلفة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا حدث في التاريخ؟ بل كيف انكشف الوجود للإنسان داخل هذا التاريخ؟ ومن هنا نفهم لماذا كان هايدغر يرى أن أخطر ما يهدد الإنسان الحديث، أكثر من الفقر أو الحرب، هو أن يفقد القدرة على رؤية العالم إلا بوصفه شيئا قابلا للحساب والسيطرة.