جاء المستشرقون الأوائل إلى الشرق وهم يحملون القواميس والمخطوطات، باحثين في اللغات القديمة والنصوص والحضارات المنسية. وكانت رحلاتهم تمتد من الجزيرة العربية وفارس والهند إلى الصين، ومن الشام والعراق إلى مصر والسودان والمغرب العربي. لم يكن الشرق بالنسبة إليهم مجرد جغرافيا، بل كان أرشيفا واسعا للغات والأساطير والآثار والذاكرة الإنسانية.
في تلك المرحلة ظهر الانبهار العلمي واضحا لدى أسماء مثل المستشرق البريطاني ويليام جونز، والمستشرق الفرنسي سلفستر دي ساسي، الذي لقب بـ"البدوي"، كما تجسد مشروع "وصف مصر" الذي خرج من الحملة الفرنسية على مصر. كان الشرق هنا موضوع معرفة، وفضاء للاكتشاف ومسرحا لنصوص قديمة أراد الغرب قراءتها وفهمها.
لكن القرن التاسع عشر حمل تحولا آخر. لم يعد الشرق مجهولا كما كان، ولم تعد الرحلة مغامرة خالصة. فالبواخر شقت الطرق البحرية، والسكك الحديدية دخلت المدن، وظهرت شركات السفر الكبرى، وتحولت الرحلات إلى برامج منظمة.
وهنا يبدأ الباحث علي بهداد حديثه في كتابه "الرحالة المتأخرون" الذي ترجم أخيرا إلى العربية، حول أولئك الذين وصلوا الشرق في اللحظة التي بدأ فيها يفقد صورته التي جاءت المخيلة الأوروبية تبحث عنها. أصيب بعضهم بما يشبه الحسرة التاريخية، ولعلهم قصدوا الشرق الذي قرأوه في "ألف ليلة وليلة"، وشرق الأسواق القديمة، والجواري، والأزقة الغامضة، والدهشة الأولى، فلم يجدوه قائما بالصورة ذاتها. وجدوا مدنا تتغير، وفنادق أوروبية، ومقاهي حديثة، وخطوط مواصلات جديدة، وعالما يدخل زمن التحديث.
ربما كان الشاعر الفرنسي جيرارد دي نيرفال، أحد أكثر هؤلاء تعبيرا عن هذه الأزمة، حين جاء إلى القاهرة هاربا من اضطرابه الشخصي وباحثا عن شرق أسطوري، لكنه اصطدم بواقع أكثر تعقيدا من خياله، وكذلك الروائي غوستاف فلوبير، حين زار مصر منتصف القرن التاسع عشر، عبر في رسائله عن نفوره من السائح الأوروبي الذي وصل إلى المعابد والآثار محمولا على برامج جاهزة ومسارات مرتبة. ولم يكن انزعاجه من الشرق، بل من تحوله إلى وجهة استهلاكية، وهنا يظهر مفهوم "السياحة الكولونيالية"، فمع صعود شركات مثل توماس كوك وأبنائه، وهي الشركة التي أسست للسياحة العالمية عام 1841، خاصة بعد أن فتحت عدة فروع وشركات إقليمية وعالمية، لم يعد الشرق حقلا للاستكشاف، بل أصبح منتجا قابلا للتنظيم والتسويق. ظهرت الأدلة السياحية التي تخبر الرحالة ماذا يرى، وأين يقف، وكيف يفسر المكان؟ وتحولت الرحلة شيئا فشيئا من اكتشاف حر إلى تجربة مؤطرة سلفا، ولم يعد المسافر الغربي يذهب ليبحث عن الشرق، بل يذهب ليرى نسخة جاهزة منه.
تحولت الرحلة من اكتشاف حر إلى تجربة مؤطرة سلفا، ولم يعد المسافر الغربي يذهب ليبحث عن الشرق، بل يذهب ليرى نسخة جاهزة منه
تغيرت وظيفة الصورة أيضا، من المدينة القديمة التي صارت محطة، والآثار التي أصبحت مشهدا. فتحولت الأسواق إلى جزء من الفرجة، وأخذ الشرق يدخل فضاء العرض البصري، باعتباره متحفا مفتوحا، دون الاكتراث بأن الشرق من الداخل عالم حي.
ولعل هذه الفكرة تقترب من الأسئلة التي أثارها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، حول تشكل الخطابات والمعرفة، فالصورة التي تكونت عن الشرق لم تكن انعكاسا بريئا للواقع دائما، بل بناء شاركت فيه الرحلات، والمؤسسات العلمية، والسياسة، والنصوص، ثم لاحقا السياحة والصناعة الثقافية.
ومع ذلك، لا يبدو المشهد بهذه البساطة. فالشرق نفسه لم يبق ثابتا. مصر تغيرت، والشام تغير، والعراق، ودول الخليج وبلاد الحجاز، واليمن، وتركيا، وفارس، والهند، والصين. دخلت جميعها زمن الحداثة، وتحركت المجتمعات، وتبدلت العمارة والاقتصاد وأنماط الحياة، ولم يعد الشرق الذي دوّنه الرحالة الأوائل قائما كما كان. وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ لم يصل الرحالة المتأخرون إلى شرق ضائع، بل إلى شرق يتغير، بينما كانت مخيلتهم لا تزال تبحث عن صورته القديمة.
وأخيرا جاء المستشرق الأول حاملا المخطوطة، ووصل الرحالة المتأخر وفي يده الحنين، ثم جاء السائح يحمل الدليل والكاميرا، وبين هؤلاء الثلاثة، تحول الشرق من موضوع للاستشراق إلى مشهد معروض للرؤية.
وبقي السؤال معلقا: هل اختفى الشرق حقا، أم اختفت الصورة التي اعتاد الغرب أن يراه بها؟