لبنان الذي أضاع 26 عاما

لبنان الذي أضاع 26 عاما

استمع إلى المقال دقيقة

لم يستوعب معظم السياسيين في لبنان على ما يبدو حتى الآن حجم المتغيرات الكبرى التي طالت المنطقة بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما زالت الأدبيات التي يستعملونها في مقترحاتهم لأي تسوية تطال لبنان تخرج من الصندوق نفسه الذي أخرجوا منه حلولاً في زمن ما قبل 7 أكتوبر؛ وهي حلول لم تكن سوى مسكنات ساهمت في تفاقم أزمات لبنان بدل حلّها.

قبل أيام، "احتفل" لبنان بذكرى تحرير جنوبه، في 25 مايو/أيار 2000، يوم انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها وأعلنت تطبيقها للقرار الأممي 425. وجاءت ذكرى التحرير اليوم وإسرائيل تحتل مناطق كثيرة من تلك التي تحررت عام 2000.

ستة وعشرون عاماً تنامى فيها نفوذ "حزب الله" وترسانته العسكرية بذريعة مقاومة احتلال لم يعد موجوداً، وتعايش اللبنانيون مع هذا السلاح؛ بعضهم بالاستقواء به على خصومهم السياسيين، وبعضهم بمعارضته، من دون أن ينتج عن هذه المعارضة أي حلول عملية.

بدأ التحول المعلن في هدف هذا السلاح فور انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني، فظهرت على السطح ذريعة مزارع شبعا بتعاون بين نظام الأسد في سوريا و"حزب الله" في لبنان، وصار السلاح "شرعياً وضرورياً" حتى انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا، من دون أن يقدم الطرفان السوري واللبناني ما يثبت لبنانيتها.

اغتيل رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، وقد أثبتت لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الدولية أن عناصر من "حزب الله" كانوا مسؤولين عن اغتياله، وما هي إلا سنة واحدة حتى قام "الحزب" بعملية أسر جنديين إسرائيليين، لتبدأ "حرب تموز"، ويخرج أمين عام "حزب الله" آنذاك، حسن نصرالله، ليقول: "لو كنت أعلم". انتهت الحرب، ثم حوّل السلاح وجهته إلى الداخل اللبناني، فكانت "غزوة 7 أيار" التي قام بها "الحزب" ضد الحكومة اللبنانية وضد العاصمة بيروت، وصار لبنان يُحكم بقوة سلاح الميليشيا لا بالدستور والمؤسسات.

ستة وعشرون عاماً تنامى فيها نفوذ "حزب الله" وترسانته العسكرية بذريعة مقاومة احتلال لم يعد موجوداً


دخل "حزب الله" إلى سوريا، وقام بعمليات عسكرية وأمنية في دول عربية عدة، من مصر إلى المملكة العربية السعودية والبحرين واليمن والإمارات والكويت. ولم يستطع أحد الوقوف في وجهه ومنعه. ولم يكن العجز لبنانياً فقط، بل كانت المنطقة تسقط تباعاً أمام التوسع الإيراني، وكانت إدارة أوباما الأميركية من أبرز المتواطئين مع طهران في فرض سيطرتها على شرق المتوسط.

اليوم، تخوض إيران الحرب على أرضها. لم تعد سوريا ولبنان والعراق واليمن ساحات إيران الوحيدة للقتال. سقط الأسد في سوريا، واستطاعت إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق تحييد سوريا عن الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وميليشياتها من جهة أخرى.

في لبنان، لم يعد الانقسام بين من يطالب ببقاء السلاح ومن يطالب بسحبه؛ فلا أحد يتمسك بالسلاح إلا من يحمله. وقد تحول الانقسام إلى كيفية إيجاد حل لموضوع السلاح. الجميع متفق على أن هذا السلاح فقد وظيفته، وإن كان فعلياً قد فقدها قبل ستة وعشرين عاماً لا اليوم. وما عدا ذلك، يبدو الانقسام واضحاً في كل ما سواه. أي لبنان يريد اللبنانيون؟ وهل لا يزال "اتفاق الطائف" قادراً على حكم لبنان؟

كان أمام سائر القوى السياسية في لبنان فرصة لوضع خلافاتهم جانباً من أجل لبنان. وكان بالإمكان احتضان أهالي الجنوب، وتحديداً الشيعة، بدلاً من معاقبتهم بسبب ولائهم لـ"حزب الله"


اتخذت الدولة اللبنانية قراراً جريئاً بالذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل. ومع ذلك، لم تتوقف إسرائيل عن قصف لبنان وتدمير قراه وتهجير سكان الجنوب. ولا يملك لبنان، للأسف، أي أوراق قوة تُذكر. ولم يعد العالم ينظر إلى لبنان كما كان يفعل قبل عقود، بل ينتظر منه أن يحل مشكلته المتمثلة في سلاح "حزب الله"، الذي تسبب بدمار لبنان وغيّر وجهه.

كان أمام سائر القوى السياسية في لبنان فرصة لوضع خلافاتهم جانباً من أجل لبنان. وكان بالإمكان احتضان أهالي الجنوب، وتحديداً الشيعة، بدلاً من معاقبتهم بسبب ولائهم لـ"حزب الله". فلحظة تهجيرهم وتدمير بيوتهم كانت اللحظة المناسبة ليُقال لهم: هذا ما جلبه السلاح لكم، ووحدها الدولة قادرة على حمايتكم. إلا أن البعض اعتبرها لحظة تشفٍّ، ولحظة تصفية حسابات ضيقة، لا مع "حزب الله" فحسب، بل مع لبنان الدولة والجغرافيا.

إنها لحظة دعم لبنان الدولة، فلبنان وطن لجميع أبنائه. وهي لحظة يجب أن تكون لحظة مصارحة، ليصل اللبنانيون يوماً إلى مصالحة أثبتت الأحداث أنها لم تتحقق بعد، رغم مرور عقود على نهاية الحرب الأهلية. ولا أعرف حقاً إن كان الزمن قد جعل جميع قادة الميليشيات، بكل أشكالها، قادرين على التفكير بمنطق الدولة لا الميليشيا، وبمنطق الوطن لا الطائفة.

تبدو المهمة الملقاة على عاتق الحكومة اللبنانية شبه مستحيلة، لكنها ليست مستحيلة. فلا بد أن يبتكر اللبنانيون حلولاً واقعية قادرة على بدء الانتقال إلى الدولة، من أجل لبنان.

font change