تشييع "المرشد" أم تشييع المشروع؟

تشييع "المرشد" أم تشييع المشروع؟

استمع إلى المقال دقيقة

بالتزامن مع تبلور ملامح الاتفاق الأميركي-الإيراني، أعلنت إيران عن إقامة مراسم تشييع "المرشد" علي خامنئي بعد أكثر من ثلاثة أشهر على مقتله خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية. وحدد التاسع من يوليو/تموز موعداً للدفن في مدينة مشهد، على أن تبدأ مراسم الجنازة قبل ذلك بعدة أيام.

يبدو هذا التوقيت مدروساً بعناية، إذ لم يكن هناك ما يمنع إقامة مراسم التشييع والدفن في وقت سابق، خصوصاً مع وجود فترات شهدت هدوءاً نسبياً بعيداً عن العمليات العسكرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟ ولماذا يأتي الإعلان بعد توقيع الاتفاق وما رافقه من تنازلات إيرانية مرتبطة بملف الحرب وتسويتها؟

"المرشد" بالنسبة للجمهورية الإسلامية ليس مجرد قائد سياسي أو ديني، بل يمثل امتداداً لمشروع ولاية الفقيه الذي شكّل منذ عام 1979 الإطار الفكري والسياسي للدولة الإيرانية، ورسم صورتها كقوة تواجه الولايات المتحدة وتتبنى خطاب الدفاع عن المستضعفين وقضايا المنطقة. وفي لحظة تبدو فيها ملامح هذا المشروع أمام اختبار صعب، قد يكون استحضار شخصية "المرشد" وإعادة تقديمها رمزياً محاولة لإحياء حضور المشروع نفسه في الوعي الشعبي.

ولا يقتصر الأمر على البعد الرمزي فقط، فالقادة الإيرانيون يدركون أن المرحلة المقبلة ستفرض أسئلة داخلية معقدة. فبعد سنوات طويلة من الاستثمار في البرنامج النووي، وما ترتب عليه من أعباء اقتصادية كبيرة، وبعد عقود من دعم الحلفاء والأذرع الإقليمية تحت شعارات النفوذ والمواجهة، سيكون من الصعب تجاهل تساؤلات الإيرانيين حول جدوى تلك السياسات ونتائجها النهائية.

لقد اعتاد النظام الإيراني توظيف الرموز والطقوس الجماهيرية في لحظات التحول الكبرى. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مراسم تشييع "المرشد" باعتبارها محاولة لإعادة توجيه النقاش العام نحو البعد العاطفي والرمزي، بدلاً من تركيزه على الخسائر والتحديات التي أفرزتها الحرب. فالجنازة هنا لا تخص شخصاً فقط، بل تمثل لحظة سياسية تسعى إلى إعادة إنتاج الرواية الرسمية وإعادة ترتيب الأولويات في الوعي العام.

لا يقتصر الأمر على البعد الرمزي فقط، فالقادة الإيرانيون يدركون أن المرحلة المقبلة ستفرض أسئلة داخلية معقدة

ومع اقتراب الحرب من نهايتها، تبدو الأسئلة المؤجلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمواطن الإيراني الذي خرج قبل الحرب مطالباً بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية عاد خلال المواجهة الخارجية ليلتف حول الدولة في مواجهة الخصم الخارجي، لكن انتهاء الحرب يعيد إلى الواجهة القضايا المعيشية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تختفِ يوماً، بل تأجلت فقط.

واليوم لم تعد المطالب تقتصر على توسيع هامش الحريات أو تحسين المشاركة السياسية، بل تتعلق أيضاً بإنقاذ الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فهذه القضايا أصبحت بالنسبة لكثير من الإيرانيين أكثر إلحاحاً من الشعارات الأيديولوجية التي هيمنت على المشهد لعقود.

كما أن المجتمع الإيراني نفسه تغير بصورة كبيرة. فالأجيال الجديدة أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر قدرة على المقارنة بين الشعارات والنتائج الفعلية على الأرض. ولذلك فإن الخطاب الذي كان قادراً على حشد الجماهير في العقود السابقة قد لا يكون كافياً اليوم للإجابة عن أسئلة تتعلق بمستقبل الدولة وفرص التنمية ومستوى المعيشة.

لقد شيّع الإيرانيون خلال السنوات الماضية الكثير من الشخصيات البارزة في الدولة و"الحرس الثوري"، وهم بطبيعة الحال يمتلكون خبرة طويلة في توظيف الرمزية الدينية والشعبية في مثل هذه المناسبات. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمراسم التشييع ذاتها، بل بما إذا كان المشروع السياسي الذي مثله "المرشد" لا يزال قادراً على الاستمرار بالصيغة نفسها التي عرفتها إيران خلال العقود الماضية.

فالاقتراب من لحظة السلام لا يعني بالضرورة الوصول إلى مرحلة الاطمئنان والاستقرار. بل على العكس، فغالباً ما تكون نهاية الحروب بداية لمراجعات داخلية عميقة تتناول جدوى السياسات السابقة وكلفة الخيارات الاستراتيجية التي اتخذتها الدول. وفي الحالة الإيرانية تبدو هذه المراجعات أكثر حساسية نظراً لحجم التحديات الاقتصادية والسياسية والإقليمية التي تواجهها البلاد.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا سيحمل مشهد تشييع "المرشد" في التاسع من يوليو؟ هل سيكون مناسبة لتجديد الالتفاف حول المشروع السياسي القائم، أم إنه سيكشف عن بداية مرحلة جديدة تتقدم فيها أسئلة الدولة والمجتمع والتنمية على حساب الشعارات التقليدية؟

الاقتراب من لحظة السلام لا يعني بالضرورة الوصول إلى مرحلة الاطمئنان والاستقرار


كما أن نتائج الحرب لا تُقاس فقط بحجم الخسائر العسكرية أو السياسية، بل بقدرة الدول على استيعاب تداعياتها وإعادة بناء أولوياتها الوطنية. وفي الحالة الإيرانية تبدو التحديات مضاعفة، فهناك ضغوط اقتصادية متراكمة، وعقوبات طويلة الأمد، وتراجع في مستوى المعيشة، إضافة إلى حالة من الترقب الشعبي لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة. ولذلك فإن أي قيادة سياسية ستجد نفسها أمام استحقاق يتمثل في تقديم رؤية واضحة للمستقبل، تتجاوز خطاب المواجهة والصراع، وتنتقل إلى معالجة الملفات الداخلية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فنجاح الدول في مرحلة ما بعد الأزمات يرتبط بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للإصلاح وإعادة البناء، وليس فقط بالاكتفاء باستحضار رمزية الماضي أو استثمار المشاعر المرتبطة به.

في النهاية، قد لا يكون الحدث الأبرز هو تشييع "المرشد" نفسه، بل ما إذا كانت إيران تقف اليوم أمام تشييع مرحلة كاملة من تاريخها السياسي، وبدء البحث عن صيغة جديدة توازن بين متطلبات الدولة الحديثة وطموحات المجتمع، وبين الإرث الأيديولوجي ومتطلبات الواقع المتغير.

font change