الحرب الباردة الإيرانية وإعادة هندسة الكلفة الغربية في قمة السبع

مذكرة تفاهم بلا مقابل

أ.ف.ب
أ.ف.ب
بتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال المؤتمر الصحفي الختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان، شرقي فرنسا، في 17 يونيو

الحرب الباردة الإيرانية وإعادة هندسة الكلفة الغربية في قمة السبع

عادت مجموعة السبع إلى إيفيان في 15 يونيو/حزيران 2026، بعد ثلاثة وعشرين عاما على القمة، التي وضعت فيها البلدة نفسُها- وتحت الرئاسة الفرنسية ذاتها- ملف إيران النووي للمرة الأولى على جدول الأعمال الدولي، في اجتماع مجموعة الثماني في يونيو 2003. كان يفترض بإيفيان أن تشهد المواءمة الرابعة للعقيدة الغربية حيال فاعل معاد بنيويا. لكن التوقيع ذهب إلى مكان آخر. ففي فرساي، على عجل، وفي نافذة انعقاد قمة السبع، وقّعت الولايات المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية، مذكرة تفاهم منحت طهران ما ظل موقفها يطلبه على مدى عشرين عاما: رفع كل العقوبات، والإفراج عن كل الأصول المجمدة، والاعتراف بالجهاز الحاكم على أنه الدولة الإيرانية، من دون أي مقابل.

ما عولج في عام 2003 كمسألة تتصل بمنع الانتشار النووي، جرى تثبيته بحلول عام 2026 كتطبيع بنيوي للمواجهة المركزية في هذا العصر. وهي مواجهة سبقت الحرب الإسرائيلية-الأميركية، الممتدة من28 فبراير/شباط إلى نهاية مايو/أيار2026، بعشرين عاما. وما فعلته الحرب أنها نزعت عن الغرب الغطاء الخطابي، الذي جرى تحته امتصاص كلفة تلك المواجهة عقدين كاملين من دون تسميتها. أما فرساي، فأعادت بناء ذلك الغطاء بوتيرة أسرع من تداول تحليلات الحرب، ومن خلال منصة تجاوزت الاصطفاف، الذي كان يفترض بإيفيان أن تنتجه، دفعت أوروبا والنظام العالمي الكلفة، وقد يكون العقد المقبل قد دفع سلفا بالشروط نفسها.

تشن الجمهورية الإسلامية حربا باردة، تعكس بنيتها ملامح المواجهة البنيوية التي خاضها الغرب ضد الاتحاد السوفياتي نصف قرن، برنامج نووي وصاروخي يتحدى نظام عدم الانتشار، وبات مكونه الصاروخي يضرب أراضي غربية: ففي 1 مارس/آذار 2026، أصابت مسيّرة إيرانية من طراز "شاهد" القاعدة البريطانية في أكروتيري على الأراضي القبرصية، في أول ضربة إيرانية مباشرة على أراضي الاتحاد الأوروبي، وشبكة وكلاء إقليميين، من "حزب الله" في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، و"قوات الحشد الشعبي" في العراق، صممت لزعزعة استقرار الشركاء، وإسقاط ضغط قابل للإنكار على الملاحة العالمية. واقتصاد إجرامي تديره الدولة، تستنزف بنيته المخصصة للالتفاف على عقوبات النظام المالي العالمي. وجهاز اختراق يعمل داخل الأراضي الغربية، وثقته ثمانية أجهزة استخبارات أوروبية، في تقارير متقاطعة بين عامي 2023 و2026. ثم الارتهان الدائم لمضيقي هرمز وباب المندب.

في أغسطس/آب 2024، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في وزارة الخزانة الأميركية كيان "زيدسيكس" المسجل في لندن على قائمة العقوبات، بعدما عالج معاملات تجاوزت قيمتها 94 مليار دولار، مرتبطة بكيانات إيرانية خاضعة للعقوبات. وخلال العقد الماضي، دفعت أربعة بنوك أوروبية أكثر من 12 مليار يورو غرامات على انتهاكات متصلة بإيران. وليست هاتان الحالتان سوى الجزء الظاهر، من بنية التفاف تمر عبر مئات الوسطاء في المنطقة الاقتصادية الأوروبية، والمملكة المتحدة والخليج العربي وما وراءه. تقع الكلفة على النظام المالي الأوروبي، الذي يوفر الامتثال، وعلى الولايات الخليجية التي تمتص الضغط التنظيمي، وعلى الاقتصادات الإقليمية التي يقوض إطار عقوباتها بنيويا.

وتنهي مذكرة فرساي كل العقوبات الأميركية، الأولية والثانوية، على الجمهورية الإسلامية. وإذا نفذت، فإنها تضفي الشرعية على بنية الالتفاف، وتترك كلفة الامتثال بلا تعويض، وتوقع الجبهة المالية للحرب الباردة إلى العقد المقبل.

أ.ف.ب
يصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس وزراء كندا مارك كارني، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة وزراء اليابان سانائي تاكائيتشي لالتقاط الصورة التذكارية خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان، شرقي فرنسا، في 16 يونيو

تشن الجمهورية الإسلامية حربا باردة، تعكس بنيتها ملامح المواجهة البنيوية التي خاضها الغرب ضد الاتحاد السوفياتي نصف قرن

على الجبهة الأمنية، تبلغ كلفة المسيّرة "شاهد-136" المصنعة في إيران، والموردة إلى الاتحاد الروسي لاستخدامها ضد المدن الأوكرانية، نحو 50 ألف دولار. أما صاروخ (باتريوت) الاعتراضي القادر على إسقاطها فتتجاوز كلفته مليون دولار. الفارق يساوي عشرين ضعفا، وهو يعمل على المستوى الاستراتيجي: كل بطارية غربية تخصص لمسرح عمليات، تصبح غير متاحة لمسرح آخر، وكل عملية اعتراض تستهلك من الذخائر عشرين ضعف قيمة الهدف نفسه. ويمتد الاختلال ذاته إلى الملف النووي، فقد دفع التسارع الذي جعل الجمهورية الإسلامية، بحلول مطلع 2026، على بعد أسابيع من عتبة قابلة للاستخدام، مسؤولين سعوديين وأتراكا ومصريين، إلى إعادة تقييم التوازن الإقليمي، الذي كان إطار عدم الانتشار الأصلي يهدف إلى حفظه. وتلزم مذكرة فرساي إيران بالوضع القائم لبرنامجها النووي، وهذا الوضع القائم تحديدا هو ما يهدد التوازن الإقليمي، فالعتبة لا تزال على بعد أسابيع من اجتيازها.

على مدى عشرين عاما، نقلت عقيدة سليماني، القائمة على الدفاع في العمق عبر مسارح الوكلاء، كلفة المواجهة الإيرانية إلى الجوار الإقليمي: "حزب الله" في لبنان منذ عام 1982، و"حماس" في فلسطين منذ عام 1992، والميليشيات العراقية منذ عام 2003، والحوثيون في اليمن منذ عام 2009، ونظام الأسد الذي استمر دعمه من عام 2012 حتى سقوطه في عام 2024. أنتج كل مسرح فاتورة إقليمية، امتصتها اقتصادات الخليج وأوروبا عبر المساعدات الإنسانية، ونداءات إعادة الإعمار، والسكان النازحين، واضطراب التجارة، وقد استوعبت "رؤية السعودية 2030" الضغط الإقليمي الإيراني، داخل برنامج صمم لمسار معاكس. أما مصر، فشهدت إيرادات قناة السويس تراجعا بشدة منذ بدء الحملة الحوثية. ويبقى التعبير البحري لهذه الجبهة الإقليمية أوضح تجلياتها: يمر عبر مضيق هرمز 30 في المئة من النفط الخام المنقول بحرا في العالم، فيما أجبر باب المندب حصة كبيرة من حركة الحاويات بين آسيا وأوروبا على الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وتعيد مذكرة فرساي فتح هرمز، لكن تحت هيمنة "الحرس الثوري الإيراني" وإدارته.

الجبهة الداخلية لهذه الحرب، هي المجال الذي امتلكت فيه مجموعة السبع أوضح الأدوات للتحرك. وبين عامي 2023 و2026، نشرت ثمانية أجهزة استخبارات أوروبية تقارير متقاطعة عن نشاط الجمهورية الإسلامية داخل أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وتوثق هذه التقارير خمسة ترتيبات منسقة: قمع عابر للحدود ضد المعارضين في المنفى، وجمع معلومات استخباراتية عن المؤسسات الأوروبية، ونفوذ سياسي عبر قنوات جمعوية وأكاديمية، وعمليات سيبرانية منسوبة إلى مجموعات مرتبطة بـ"الحرس الثوري"، واستخدام وسطاء جنائيين لتنفيذ عمليات قابلة للإنكار. وتمتد البنية نفسها إلى الخليج، حيث أنتجت العمليات الإيرانية ضد شخصيات معارضة وصحافيين وشبكات من الشتات، قضايا موثقة في الرياض وأبوظبي والدوحة وإسطنبول. وما يبدو حوادث منفصلة في ولايات قضائية متفرقة هو، من الناحية العملياتية، بنية واحدة تمتص كلفتها عبر ميزانيات منفصلة. والجهاز الذي يديرها جرى تثبيته في مذكرة التفاهم، على أنه الدولة الإيرانية، مع الإفراج عن أصوله المجمدة، وإنهاء عقوباته، وترك أدواته العملياتية سليمة.

بنت هذه الكلفة عقيدة استراتيجية بحجم دولة تعمل عبر الحدود. ولا يمكن خفضها إلا باصطفاف غربي منسق على الحجم نفسه. وقد أنتجت مجموعة السبع هذا النوع من الاصطفاف البنيوي في لحظات كان الغرب فيها أمام كلفة لم يعد قادرا على امتصاصها. في طوكيو، في مايو 1986، وبعد الضربة الأميركية على ليبيا، سمى رؤساء الدول طرابلس دولة راعية للإرهاب، واعتمدوا إجراءات ملموسة ضد مبيعات السلاح والموظفين الدبلوماسيين الليبيين. وفي لاهاي، في مارس 2014، أعادوا خلال اثنتين وسبعين ساعة تأسيس بنية العقوبات الغربية على روسيا بعد ضم القرم. وفي إلماو، في يونيو 2022، ابتكروا من الصفر سقف سعر النفط الروسي، وهي أداة لم تكن موجودة في أي دليل قبل أن يخترعوها. طوكيو قررت. لاهاي أعادت التأسيس. إلماو ابتكرت. فرساي وقعت الكلفة لعشر سنوات أخرى.

رويترز
صورة تذكارية للقادة المشاركين في القمة

 

بنت هذه الكلفة عقيدة استراتيجية بحجم دولة تعمل عبر الحدود. ولا يمكن خفضها إلا باصطفاف غربي منسق على الحجم نفسه

لا يزال ممكنا تصحيح المسار الذي أطلقته مذكرة فرساي. فالنظام الإيراني والشعب الإيراني، الذي عبّر في خمس دورات تعبئة منذ عام 2009 عن تصميمه على طي صفحة النظام، طرفان مختلفان في هذا المسار كله، لغة وسياسة. وكل تنازل مستقبلي يقدمه الغرب للنظام يجب أن لا يمنح إلا في مقابل ملموس من النظام نفسه. وينبغي أن تشترط مراحل تنفيذ إنهاء العقوبات، وصرف مبلغ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، والتفاصيل العملياتية لإعادة فتح هرمز، بتغيير سلوكي قابل للتحقق على واحدة على الأقل من الجبهات الأربع التي تركتها المذكرة من دون مساس. أما التصنيف الأوروبي لـ"الحرس الثوري الإيراني" منظمة شبه عسكرية إرهابية، بعد سنوات من الجدل المؤسسي، فيجب أن يبقى سليما، وأن يصمد أمام أي ضغط لتخفيفه كإشارة مرافقة للمذكرة. فهو المرساة العقائدية الوحيدة القادرة على إرغام سلوك النظام على التغير. ومن دونه، تنهار كل أداة أخرى في التطبيع.

هذا هو الاختبار الذي ستذكر به قمة السبع لعام 2026. فإذا حُوّلت مذكرة فرساي، عبر الانضباط العقائدي للاصطفاف الغربي في الأشهر التالية، إلى أداة تفرض تغييرا سلوكيا على النظام الإيراني، فسيظهر عام 2026 في الذاكرة سنةً استعاد فيها الغرب، متأخرا لكن بحسم، قدرته على مواجهة فاعل معاد بنيويا. أما إذا نفذت المذكرة كما كتبت، ومنحت كل التنازلات بلا شروط، وتآكل تصنيف "الحرس الثوري"، وأرجئ الاصطفاف العقائدي إلى أجل غير مسمى، فستبقى قمة السبع لعام 2026 في التاريخ بوصفها فشلا للقوى الغربية أمام الحرب الباردة التي فرضتها طهران على العالم، والتي اختار الغرب، بعد عشرين عاما من الإنكار، أن يطبّعها بدل أن يواجهها.

font change

مقالات ذات صلة