الحوار مع إيران مسار موازٍ وخيار استراتيجي

الحوار مع إيران مسار موازٍ وخيار استراتيجي

استمع إلى المقال دقيقة

الترحيب الخليجي وتحديدا السعودي بالاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء العمليات العسكرية، يعكس موقفا ثابتا ينحاز دائما إلى التهدئة وتغليب لغة الحوار على خيارات التصعيد، والمتابع للسياسة الخليجية يدرك أن هذا الترحيب لا يعني الركون المطلق إلى ما ستسفر عنه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وإنما يترافق مع تحرك استراتيجي يتمثل في بناء مسار موازٍ من المحادثات المباشرة بين دول الخليج وطهران، وهذا المسار المنفصل يمثل تحولا في إدارة الملفات الإقليمية، ويؤكد أن العواصم الخليجية باتت تصوغ معادلتها الأمنية بأدواتها الخاصة، بعيدا عن انتظار نتائج تسويات قد لا تحيط بكل تعقيدات الجوار الجغرافي.

التحرك الخليجي نحو حوار إقليمي مباشر مع إيران، في الوقت الذي يجول فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في المنطقة لتقديم تطمينات حول الاتفاق، يحمل دلالة تشير إلى إدراك خليجي مبكر بأن التفاهمات الدولية، مهما بلغت شموليتها، تظل محكومة بحسابات القوى الكبرى وأولوياتها الاستراتيجية، وفي المقابل تفرض الجغرافيا السياسية على دول المنطقة تحديات لا يمكن معالجتها إلا عبر قنوات اتصال مباشرة ومستدامة، وهذا الإدراك هو ما دفع الرياض وعواصم خليجية أخرى إلى استثمار لحظة التهدئة الحالية؛ لتأسيس أرضية صلبة من التفاهمات الإقليمية، تضمن عدم تكرار سيناريوهات التصعيد التي ألقت بظلالها على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.

وهنا يجب التوقف عند طبيعة هذا المسار الموازي، إذ لا يتقاطع مع الجهود الأميركية ولا يعرقلها، وإنما يكملها من زاوية المصالح الإقليمية البحتة، والتركيز الخليجي ينصب على معالجة جذور التوتر المباشر مع طهران، بدءا من أمن الممرات المائية وعلى رأسها مضيق هرمز، وصولا إلى بناء ثقة متبادلة خاصة بعد الاعتداءات السافرة التي طالت الخليج، بما يضمن تحصين المنطقة من ارتدادات أي أزمات مستقبلية. وفي تقديري، هذا النهج الذي يجمع بين دعم التهدئة الدولية وقيادة حوار إقليمي مباشر، يمنح دول الخليج مرونة استراتيجية، ويجعلها شريكا في صياغة مستقبل المنطقة، لا مجرد طرف ينتظر نتائج مفاوضات تجري خلف الأبواب المغلقة في عواصم بعيدة.

إلى جانب البعد الأمني، يبرز البعد الاقتصادي كأحد أهم محركات هذا الحوار الإقليمي، إذ إن استقرار المنطقة يعد شرطا أساسيا لنجاح الرؤى التنموية الطموحة التي تقودها السعودية ودول الخليج، وأي توتر عسكري أو إغلاق للممرات المائية يمثل تهديدا مباشرا لهذه الرؤى، وهذا ما يجعل من الحوار المباشر مع إيران ضرورة تمليها المصالح الاقتصادية المشتركة، والرسالة الخليجية هنا واضحة ومفادها أن المنطقة تتسع للجميع إذا ما التزمت كل الأطراف بمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة، وأن التنمية والازدهار هما البديل الوحيد لدوامة الأزمات التي استنزفت مقدرات شعوب المنطقة لعقود طويلة.

الترحيب الخليجي وتحديدا السعودي بالاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء العمليات العسكرية، يعكس موقفا ثابتا ينحاز دائما إلى التهدئة وتغليب لغة الحوار على خيارات التصعيد


الحراك الدبلوماسي المكثف الذي نشهده، من اتصال وزير الخارجية السعودي بنظيره الإيراني، إلى زيارة رئيس الوزراء القطري لمسقط، تمهيدا لمباحثات تشمل العراق وإيران ودول الخليج حول مستقبل الملاحة في هرمز، يكشف عن منظومة إقليمية تعيد ترتيب أوراقها بعقلية برغماتية، والمراقب يلحظ أن هذه التحركات تتم بتنسيق وتكامل بين العواصم الخليجية، مما يعني أن المسار الموازي ليس مبادرة فردية وإنما رؤية جماعية تدرك أن أمن الخليج يبدأ من داخل المنطقة وليس من خارجها.

في المحصلة، المشهد الإقليمي اليوم يعاد تشكيله وفق قواعد جديدة، ودول الخليج تثبت من خلال هذا المسار قدرتها على المبادرة وابتكار الحلول، وما نراه يؤكد أن المنطقة لم تعد تنتظر من يحل أزماتها نيابة عنها، وإنما تأخذ زمام المبادرة لحماية مصالحها وضمان أمنها، والتاريخ يعلمنا أن السلام المستدام هو ذلك الذي يصنع من الداخل، ويقوم على تفاهمات حقيقية بين دول الجوار، وما لم تدرك كل الأطراف هذه الحقيقة، ستظل أي اتفاقيات خارجية مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج أصل الداء.

font change