ما يحدث في مدينة الأبيض اليوم يتجاوز كونه حدثا عابرا في سياق حرب طويلة، إنه اختبار مباشر لقدرة المجتمع الدولي على التعلم من أخطائه قبل أن تتكرر، والسؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن هو: هل ستشهد الأبيض مأساة كتلك التي شهدتها الفاشر؟ أم إن ثمة إرادة حقيقية لمنع ذلك، خاصة أن كل المؤشرات الميدانية والتقارير الدولية تشير إلى أن المدينة تسير نحو السيناريو ذاته الذي انتهى بمجازر وصفتها منظمات دولية بالتطهير العرقي واعتبرتها بعثة أممية مستقلة تحمل سمات الإبادة الجماعية.
اللافت أن هذا التصعيد يأتي في لحظة تشهد فيها ميليشيا "الدعم السريع" تفككا داخليا واضحا، حيث شهدت الأشهر الماضية موجة انشقاقات متتالية لقيادات ميدانية بارزة انضمت إلى الجيش والحكومة السودانية
ميليشيا "الدعم السريع" تفرض حصارا خانقا على الأبيض منذ ثمانية عشر شهرا، مستخدمة الطائرات المسيرة لقصف البنى التحتية بشكل ممنهج ومتصاعد، وقد حذر تحالف دولي يضم أكثر من خمس وعشرين دولة من أن المدينة تشهد أكثر عشرة أيام متتالية من الغارات أسفرت عن سقوط عشرات المدنيين وتدمير محطة الكهرباء وانقطاع المياه وشلل المستشفيات، في حين ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 300 في المئة وتضاعفت أسعار المياه، وهي ظروف مطابقة لما سبق سقوط الفاشر، مما دفع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لإطلاق صيحة إنذار، محذرا من كارثة إنسانية وشيكة تطال نصف مليون إنسان محاصر بين نيران القصف وجدران الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم.
اللافت أن هذا التصعيد يأتي في لحظة تشهد فيها ميليشيا "الدعم السريع" تفككا داخليا واضحا، حيث شهدت الأشهر الماضية موجة انشقاقات متتالية لقيادات ميدانية بارزة انضمت إلى الجيش والحكومة السودانية، وهذه الانشقاقات مؤشرا قاطعا على غياب الحاضنة الشعبية والسياسية لهذه القوات وتأكيد على أن مشروعها العسكري يفتقر إلى أي شرعية وطنية، خاصة بعد أن أدرك هؤلاء القادة أن الممارسات الميدانية من استهداف للمدنيين وتدمير ممنهج واستخدام التجويع كسلاح حرب لا يمكن تبريرها أو القبول بها تحت أي غطاء سياسي أو قبلي، وأن الاستمرار في صفوف هذه القوات يعني التورط في جرائم لن يسقطها التقادم ولن تحميها أي تسوية مستقبلية.
كقارئ للمشهد، هذه الانشقاقات تمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب، لأنها تضرب العصب القبلي والقيادي لميلشيا "الدعم السريع" وتكشف عن هشاشة التحالفات التي بنيت عليها، خاصة مع تصاعد التوترات العرقية والقبلية داخل صفوفها واستهدافها لقيادات مؤثرة وهو ما دعا الكثير من القادة الميدانيين إلى إعادة حساباتهم والقفز من سفينة تغرق في مستنقع الانتهاكات، وهذا التفكك الداخلي يفسر لجوء هذه القوات إلى تكتيكات الحصار والقصف عن بعد في الأبيض كمحاولة يائسة لتعويض خسائرها وإثبات قدرتها على التأثير الميداني رغم تآكل بنيتها التنظيمية، والأرجح أن هذه الموجة من الانشقاقات لن تكون الأخيرة ما دام النموذج الذي تتبناه هذه القوات يقوم على الإبادة والتهجير.
الخلاصة، ترك الأبيّض تواجه مصير الفاشر يعني السماح بتكريس نموذج الميليشيات المنفلتة التي تستخدم التجويع والترويع كسلاح سياسي، وهو ما يتطلب موقفا حازما يتجاوز بيانات الإدانة إلى ضغوط فعلية تنهي هذا الحصار وتقطع خطوط الإمداد التي تغذي هذه الميليشيا وتدعم مسار استعادة الدولة السودانية لسيادتها، لأن السلام لا يمكن أن يقوم على تسويات تشرعن الانتهاكات، ولا يمكن لدولة أن تستقر في ظل وجود قوات مسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية.