هل هي فرصة حقيقية أمام لبنان؟

هل هي فرصة حقيقية أمام لبنان؟

وسط ركام الحرب وأصوات القصف التي لم تهدأ منذ أشهر، تبرز جولة المفاوضات الحالية في واشنطن كبارقة أمل قد تخرج لبنان من نفق الصراع المظلم، وما يميز هذا الحراك الدبلوماسي ليس فقط الرعاية الأميركية المباشرة، وإنما دخول الرئاسات اللبنانية الثلاث على خط التفاوض بشكل صريح ومنسق، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، وهذا التطور يمثل مؤشرا بالغ الأهمية على رغبة في استعادة قرار الدولة المختطف، وإعادة زمام المبادرة إلى المؤسسات الشرعية بعد عقود من تهميشها لصالح السلاح غير الشرعي الذي صادر القرار اللبناني وأدخل البلاد في حروب لم يخترها شعبها ولم يستشر فيها أحد.

المختلف هذه المرة أن المفاوض هو الدولة اللبنانية وليس "حزب الله" بشكل مباشر، وهذا تحول جوهري في المشهد، إذ يعني أن ثمة إدراكا لبنانيا متزايدا بأن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب أن يكون القرار بيد المؤسسات الرسمية لا بيد فصيل مسلح يقرر السلم والحرب نيابة عن شعب بأكمله، وهذا المسار إذا استمر واستقر قد يؤسس لعقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح في لبنان.

المفاوضات الحالية لا تدور في فراغ، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بمسار إقليمي أوسع، وتحديدا بمآلات المحادثات بين إدارة ترمب وإيران، وإذا نجحت المساعي في الوصول إلى تفاهم أميركي إيراني شامل، ستظهر انعكاساته الإيجابية على الساحة اللبنانية بشكل مباشر، مما يسهل تمرير اتفاق ينهي الحرب ويضمن استقرارا طويل الأمد. وفي المقابل، إذا تعثرت تلك المساعي، سيبقى لبنان ورقة مساومة في يد طهران تستخدمها للضغط وتحسين شروطها التفاوضية، مما يعني استمرار النزيف اللبناني وتأجيل أي حلول جذرية إلى أجل غير مسمى، وهذا الارتباط بين الملفين يكشف حجم التعقيد الذي يواجه لبنان.

هل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية جديرة بالثقة للالتزام بأي اتفاق مرتقب، وهي الحكومة التي انتهكت كل وقف لإطلاق النار سابق وواصلت عملياتها في الجنوب اللبناني حتى أثناء التفاوض؟


العقبات التي تعترض طريق الاتفاق كثيرة ومعقدة، والفجوة لا تزال واسعة بين المطالب اللبنانية المتمثلة في وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل وعودة النازحين، وبين الشروط الإسرائيلية التي تصر على ترتيبات أمنية صارمة ونزع أو تحييد سلاح "حزب الله" وإبعاده عن الحدود الجنوبية، وهذه المعادلة تضع المفاوض اللبناني أمام تحديات بالغة الصعوبة، تتطلب توازنا دقيقا بين الحفاظ على السيادة الوطنية وتلبية المتطلبات الأمنية التي يفرضها الواقع الميداني، خاصة أن "حزب الله" يرفض أي تنازل جوهري بشأن سلاحه.

في حال نجحت المفاوضات ووفى الجانب الإسرائيلي بالتزاماته بضمانة الراعي الأميركي، تتجاوز المكاسب التي تنتظر لبنان مجرد وقف إطلاق النار، إذ سيمهد ذلك الطريق لعودة أكثر من مليون ونصف المليون نازح إلى مناطقهم، ويتيح الفرصة للبدء في ورشة إعمار تعيد الحياة إلى المناطق المدمرة، والأهم أنه سيعزز سلطة الدولة وينشر الجيش في الجنوب بشكل فعلي، مما ينهي حالة الازدواجية الأمنية التي أنهكت لبنان لعقود، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي يفتقده اللبنانيون بشدة، ويعيد لبنان إلى حاضنته العربية الطبيعية بعيدا عن المحاور الإقليمية التي جرته إلى ما هو فيه اليوم.

أخيرا، لبنان أمام فرصة متباينة الاحتمالات، ولكن يبقى التساؤل الأهم مطروحا بقوة، وهو أنه حتى لو تهيأت كل الظروف وتم ضمان توقف "حزب الله" عن مهاجمة إسرائيل من الجانب اللبناني، هل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية جديرة بالثقة للالتزام بأي اتفاق مرتقب، وهي الحكومة التي انتهكت كل وقف لإطلاق النار سابق وواصلت عملياتها في الجنوب اللبناني حتى أثناء التفاوض، أم إن إدارة ترمب ستكون مضطرة للتدخل بشكل مستمر للجم التهور الإسرائيلي ومنع إجهاض هذه الفرصة التي قد لا تعوض أمام لبنان لاستعادة سيادته وبناء دولته؟

font change