في ظل ما تشهده المنطقة من تغيرات وأحداث متسارعة، لا يمكن للمتابع تشكيل رأي طويل الأمد تجاه حدث أو ردة فعل معينة تطرأ. وعلى وقع العواجل المستمرة، نجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى الخلف قليلا لنقرأ ما جرى خلال النصف الأول من هذا العام، حيث شهد أحداثا جسيمة أبرزها سقوط رأس النظام الإيراني والذي كان من تداعياته استخدام ورقة المضيق التي طالما كانت في خانة التهديد والوعيد في حال هوجمت إيران، ولكن اليوم أصبحت أمرا واقعا وأصبحت القضية الأولى تقريبا في الصراع. نحن اليوم أمام مشهد لم يسبق أن واجهته المنطقة بهذا الشكل، لأن مقتل خامنئي لم يكن مجرد خبر عاجل مر على الشاشات، بل كان لحظة تاريخية أعادت خلط كل الأوراق الإقليمية دفعة واحدة، ومع ذلك لم يتغير شيء في سلوك طهران تجاه مضيق هرمز... ودول المنطقة، وكأن المضيق أصبح "المرشد البديل" الذي يستمد منه النظام شرعية بقائه وقدرته على ابتزاز العالم.
الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي أطاحت بـ"المرشد" وأخفت نجله، كشفت حقيقة بنية القيادة الإيرانية، وفي الوقت ذاته دفعت "الحرس الثوري" إلى التمسك بورقة هرمز كأداة وحيدة وأخيرة، لإثبات أن النظام لا يزال قادرا على التأثير، وهذا ما شهدناه بوضوح خلال الفترة الماضية، فمن إغلاق المضيق إلى مذكرة جنيف ثم انهيار الهدنة ووقف إطلاق النار واستهداف الناقلات في مياه الخليج، كل ذلك يؤكد أن طهران لا تبحث عن رسوم عبور بقدر ما تبحث عن سلطة قرار على الممر، أن تسمح وتمنع وتضغط متى شاءت، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يتجاوز أي حسابات مادية.
2026 سيسجله التاريخ بصفته العام الذي مات فيه "المرشد" وبقي المضيق حيا كأداة صراع، العام الذي كشف أن هرمز لم يعد ورقة تهديد على الخريطة، وإنما أداة للبقاء والابتزاز والتفاوض
الولايات المتحدة من جانبها أعادت فرض الحصار البحري وأعلنت أن المضيق مفتوح بقوتها العسكرية بغض النظر عن الموقف الإيراني، وترمب مستمر في التهديد، ويتحدث عن السيطرة الكاملة على هرمز وفرض رسوم على السفن، وهذا التجاذب على هرمز يضع المنطقة بأسرها أمام واقع خطير لا يشبه أي أزمة سابقة لأن "المرشد السابق" الذي كان يضبط إيقاع التصعيد والتهدئة لم يعد موجودا، ومَن خلَفه- إن وجد- لا يملك القدرة على الظهور أمام شعبه ولا على ضبط جنرالات "الحرس الثوري" الذين يتصرفون كدولة داخل الدولة.
دول الخليج، وتحديدا السعودية، تقرأ هذا المشهد بعين مختلفة عن بقية الأطراف، الرياض تدرك أن أمن المضيق لا يمكن أن يبقى رهينة لهذا الصراع الذي قد يشتعل وينطفئ وفق حسابات لا علاقة لها بمصالح دول المنطقة بشكل مباشر، ولذلك نرى تحركا مدروسا هدفه الأول تأمين الممرات بأدوات إقليمية مستقلة، وهذا التحول في بنية القرار هو ربما أهم ما أنتجه هذا العام المضطرب، حيث لم تعد دول المنطقة تنتظر من يحل أزماتها، وإنما تصوغ معادلتها الأمنية بنفسها، وبالتنسيق مع حلفائها.
أخيرا، 2026 سيسجله التاريخ بصفته العام الذي مات فيه "المرشد" وبقي المضيق حيا كأداة صراع، العام الذي كشف أن هرمز لم يعد ورقة تهديد على الخريطة، وإنما أداة للبقاء والابتزاز والتفاوض. والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة لعقود قادمة هو: من سيملك القرار على هذا الممر، هل هو دولة منهارة من الداخل تحكمها ميليشيا عسكرية بلا رأس سياسي، أم دول المنطقة التي يهمها أمر المضيق باعتباره شريان اقتصادها ومستقبل أجيالها؟