كتاب "دردميس"، للشاعر والباحث الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني، من أجود كتب السرد الشفاهي في الإمارات، وهو كتاب حفظ وتوثيق يضم ثماني حكايات جمعت صوتيا على يد طالبة جامعية من خورفكان لم يحفظ اسمها، ثم قام أحمد راشد ثاني بإعداد المادة وتأليف إطارها البحثي.
وما يثير الإعجاب في هذا الكتاب، هو أن أحمد راشد ثاني فهم قيمة الحكاية قبل أن يحاول تهذيبها، فكان يرى أن السرد الشفاهي يحمل خبرات الجماعة وأحلامها ومخاوفها الشعورية واللاشعورية، وأن الحكاية الإماراتية الشعبية، مادة قابلة للقراءة ميثولوجياً ولغوياً واجتماعياً، وحذر من أن موت الرواة يعني ضياع شيء لا يمكن استعادته. هذه هي الفكرة الكبرى وراء كتاب "دردميس"، أكثر حتى من الحكايات الثماني نفسها.
أما "دردميس" نفسه، فكتاب مدهش، غريب في بنيته، أكثر مما يبدو من عنوانه، هو أولا الجزء الثاني من مشروع "السرد الشفاهي في الإمارات"، ويضم ثماني حكايات، وقد تعامل أحمد راشد ثاني معها بوصفه جامعا ومعدا وباحثا في الحكاية، كتبها باللهجة المحلية، مع الضبط والإعجام مستخدما معجم "لسان العرب" ليفسر كل مفردة محلية، ويعود بها إلى جذرها العربي، مفسرا كل كلمة، وموضحا المعنى كمعجم خاص وثمين، والطبعة المتاحة اليوم تقع في 374 صفحة، وهو حجم لافت لثماني حكايات فقط، بما يكشف أن قيمة الكتاب ليست في عدد الحكايات، بل في طريقة تقديمها والعناية بعالمها الشفاهي.
اللافت أيضا أن الحكايات الثماني تكشف خيالا إماراتيا أوسع بكثير من الصورة النمطية عن الحكاية الشعبية المحلية، ومن يقرأ الحكايات يجد العالم فيها ليس مجرد بحر وغوص وصحراء وجن. هناك بنية حكائية كاملة، من الرحلة، والاختبار، والتحول، والكائن الغريب، والحيلة، والمصادفة، والعقاب، والمكافأة، وحتى الأسماء التي تبدو أحيانا كأنها خرجت من طبقة لغوية قديمة جدا.
كان أحمد راشد ثاني ذكيا في تعامله مع هذه المادة، لأنه لم ينظر لها بوصفها تراثا لطيفا للعرض، كما يفعل معظم الباحثين، بل تعامل مع المادة بوصفها سردا حقيقيا، وهذا ما يجعل الكتاب أدبيا، بقدر ما هو توثيقي، لذا عرف مشروعه في جمع التراث الشفاهي بالدقة والصبر البحثي، فكان جزءا أصيلا من منجزه إلى جانب الشعر والمسرح.
أما أكثر ما يثير في "دردميس" هو عنوانه نفسه، كلمة واحدة غامضة، ثقيلة صوتيا، تكاد تكون اسم كائن أو مكان أو تعويذة. والعناوين الشعبية من هذا النوع تستحق وحدها دراسة لغوية: من أين جاءت؟ هل هي تحريف صوتي عبر أجيال الرواية؟ هل تحمل أثرا فارسيا أو بلوشيا أو هنديا أو عربيا قديما؟ أم إنها كلمة ولدت داخل الحكاية نفسها؟ ولعل أجمل قراءة للكتاب ليست قراءة الحكايات الثماني باعتبارها منفصلة، وإنما البحث عما يجمع بينها: أي مجتمع تكشفه؟ ما صورة المرأة والرجل؟ من هو الذكي ومن هو الأحمق؟ ما الذي يخشاه الناس؟ ماذا يتمنون؟ وكيف يتصورون العدالة؟ هنا يصبح "دردميس"، كتابا عن المخيلة الاجتماعية الأصيلة في الإمارات.
قراءة هذه الحكايات تدفع إلى التفكير بما هو محلي فيها وما هو منتم إلى العائلة العالمية للحكايات الشعبية. والأجمل أن المثل الذي اشتق منه عنوان الكتاب، هناك ما يشابهه في العراق، وهي مقولة "دردميس ما يعرف الجمعة من الخميس"، ما يفتح احتمالا مهماً على أن الشخصية أو المثل ليس إماراتيا خالصا، بل جزء من فضاء حكائي عربي أوسع انتقل وتحور محليا.
الحكايات الثماني تكشف خيالا إماراتيا أوسع بكثير من الصورة النمطية عن الحكاية الشعبية المحلية
كما وجدت ندوة بحثية مطولة بعنوان "الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني ومشروع حفظ التراث الشعبي"، وفيها حديث تفصيلي عن مشروعه في جمع الحكايات، وعن "دردميس" تحديدا: كيف وصلت مادته في أشرطة مسموعة جمعتها طالبة، وكيف أعد أحمد راشد ثاني النصوص، والأهم أن أحد المشاركين في الندوة ذكر أن أحمد راشد ثاني كان وعد بجزء رابع يتضمن دراسة نقدية للحكايات، لكنه لم ينجزه لوفاته (1962–2012)، وهي معلومة مهمة، ربما تفسر لماذا بقيت الثلاثية الحكائية مادة أولية ثرية أكثر من كونها مشروعا نقديا مكتملا.
كما وجدت دراسة منشورة في مجلة "نزوى" العمانية بعنوان: "في بنية الحكاية الشعبية الإماراتية، تنوع الوظائف وتعدد الشخصيات"، تستخدم منهج فلاديمير بروب المورفولوجي. لكنها لا تدرس "دردميس"، بل تعتمد أساسا على "حصاة الصبر" لأحمد راشد ثاني و"بنات نارنج الترنج" لسارة الجروان. وهذا بحد ذاته لافت، فحتى دراسة بنيوية حديثة للحكاية الإماراتية تجاوزت "دردميس" إلى الجزء الأول من المشروع.
وهناك أيضا دراسة أوسع بعنوان "بنية السرد وخصائصه الفنية في الأدب الشعبي للخليج العربي" تتناول السرد الشعبي بمنهج مورفولوجي وتستشهد بـ"حصاة الصبر"، لكنها ليست دراسة عن "دردميس".
الخلاصة بعد البحث في "دردميس" أنه لم يدرس بما يناسب قيمته، فليس هناك حتى الآن دراسة جادة تفكك الحكايات الثماني نفسها: أصولها، بنيتها، موتيفاتها، علاقة بعضها بالحكايات العربية والعالمية، والطبقات الاجتماعية والجغرافية فيها.
"دردميس" يستحق قراءة بحثية مستقلة، خصوصا أن الكتاب نفسه موصوف رسميا بأنه الجزء الثاني من سلسلة "السرد الشفاهي في الإمارات".