في طريق العودة من سراييفو، لم يكن التعب نتيجة ساعات السفر الطويلة، ولا تبدل الرحلات، ولا الانتظار في المطار، بسبب الحرب التي شنتها إيران على الخليج العربي... كان شعور آخر يتسلل بصمت.
منذ سنوات طويلة اعتدنا التعامل مع العالم بوصفه مفتوحا، السماء واحدة، والخرائط ثابتة، والرحلات مجرد مواعيد. لكن في أيام قليلة، تستطيع حرب واحدة أن تعيد رسم خطوط الطيران، وأن تجعل مدينة أقرب، وأخرى أبعد، تشعرنا بأن حياتنا ليست ثابتة كما توهمنا.
عندما غادرت سراييفو قبل أيام، ظننت أنني أودع مدينة نجت من الحرب. لكنني أدركت في الطريق أن المدن لا تغادر حروبها تماما، كما أن الشعوب لا تغادر تاريخها. بعضهم يحمل ذاكرته في المتاحف، وبعضهم في الوثائق، وبعضهم في الحكايات الشفاهية... ليبقى تحليل الكتاب المثقفين المستند إلى التاريخ القديم، الأكثر حضورا في السلم.
لكن سؤال الحرب ظل يرافقني في بلادي الإمارات ودول الخليج، وبمعنى تاريخي أصح، حرب الفرس على الجزيرة العربية في زمن كان الروم طرفا في المشهد الإقليمي، على الرغم من أن الطرفين اليوم ينتميان إلى العالم الإسلامي، لكنه التاريخ الذي لا ينسى، والسياسة التي لا تعترف بالهوية الشرقية المشتركة، ولا بالدين الواحد بينهما. فكيف نحافظ على ذاكرتنا من النسيان، ومن الكراهية، في الوقت نفسه، ونحن نعيش حربا جوية؟
لم يشهد الخليج في تاريخه القريب، في معظمه، دمار المدن كما شهدته بيروت أو بغداد أو سراييفو مثلا، لكنه عاش آثار الحروب الاقتصادية والسياسية، واستقبل ملايين المتأثرين بها. لذلك فإن الكتابة عن الحرب في الخليج تميل إلى التأمل والبحث في المصير، أكثر من تسجيل يوميات القصف.
قبل أيام كنت أمشي فوق جسر موستار في البوسنة الذي أعيد بناؤه بعد أن هدمته الحرب، وأتجول في سراييفو التي تعلمت أن تعيش بعد الحصار. ظننت أنني أزور تاريخا مضى، لكنني اكتشفت في طريق العودة أن التاريخ لا يمضي، بل يغير طريقته في الحضور فقط.
وهنا أتذكر حربا خليجية غابت عن الذاكرة العامة، سوى للباحثين والمثقفين، لأن سرديتها انقطعت حتى عن المناهج المدرسية، نعم، كانت هناك حملة بريطانية عنيفة على ساحل الإمارات، وبالتحديد عام 1819 في رأس الخيمة التي كانت ميناء قويا للعرب. معارك بحرية وبرية سبقت ذلك وتلته، وقتل من الرجال والنساء والأطفال الآلاف، مع هدم الحصون والبيوت، حتى دكت دكا، على الرغم من المقاومة المباشرة للبواسل من القبائل العربية.
وكذلك غياب تاريخ ما بعد هذه الحملة الظالمة، أي بعد هذا القصف المدمر، من معاهدات مذلة طوال قرن ونصف القرن، من العلاقة الإجبارية مع بريطانيا. كانت علاقة هيمنة سياسية، منذ المعاهدة البحرية عام 1820، وكل بنودها إذلال بحجة الحماية، ومع السيطرة على طريق الملاحة، والسياسة الخارجية، وإدارة التوازنات المحلية. كان هذا شكلا آخر من الصراع، وأقل ضجيجا في العالم، وقلما نجد الدراسات حول هذه المقاومة الشريفة.
تمنح الثقافة التاريخية الكاتب القدرة على فهم الحرب بوصفها امتدادا لمسارات طويلة من الاستعمار والحدود والمصالح الاقتصادية
من مسؤولية الكاتب المثقف في بلادنا اليوم، في سياق تحليل ما يجري مع إيران، أن يتبحر أولا في الحروب القديمة في تاريخنا، وتراكماتها التي أوصلتنا في علاقاتنا مع الآخر بهذا الشكل، وخاصة الحملة البريطانية على رأس الخيمة والتي هيأت لإيران الاستيلاء على أجزاء من الحدود البرية والبحرية، منذ تلك الحملة التي هيمنت على طول الساحل من خصب إلى قطر كما يصف الأرشيف البريطاني، وأعني مسؤولية مهمة لاستعادة الذاكرة التي انقطعت لدى هذا الجيل، لأن المجتمع بطبيعته منهمك في الحياة، ويفقد ذاكرته سريعا، وكل مجتمع يفقد الماضي، فإنه يفقد القدرة على تفسير حاضره أيضا.
وكما يتم تحليل الحروب في جميع البلدان، من خلال بطولات الماضي، فلا بد من إعادة الأسئلة في تاريخنا الحربي القديم إلى الوعي، ولدينا أسئلتنا التي يجب أن تعود بقوة، وهو كيف عاش الناس تحت تلك المعاهدة؟ وماذا كانت تعني السيادة في نظر أهل الساحل آنذاك؟ وكيف كانت تتخذ قرارات الشيوخ في ظل النفوذ البريطاني؟ وكيف حافظ المجتمع على كرامته وثقافته وهويته وهو يعيش تحت ميزان قوى غير متكافئ؟
هذه أسئلة تعيد بناء الحياة اليومية، فالكاتب المثقف قد يقدم موقفا، أو يحلل، أو يكتب مقالا سياسيا، ويقف أمام الحرب في وضع معقد، إلا أن الذاكرة التاريخية ميزة تفرض عليه مسؤولية أن لا يحمل عبء الشهادة المباشرة، فيستطيع أن يرى الحرب من زاوية أوسع، ولا يكتفي بالتعاطف، أو اللغة الرمزية، في فضاء إعلامي شديد الحساسية، فلا ينخرط في خطاب الانحياز والتلميح فقط، في ظل غياب الذاكرة الحربية القديمة للخليج، فهي تبدو أقل حضورا في الوعي العام، فتغلب الشعارات على الأسئلة.
تمنح الثقافة التاريخية الكاتب القدرة على فهم الحرب بوصفها امتدادا لمسارات طويلة من الاستعمار والحدود والمصالح الاقتصادية، وهو يعود إلى الوثائق والجذور، ليكتب كيف تستعيد المدن حياتها في ظل الحرب الآنية، وكيف تتعايش الذاكرة، وهذا النمط من الكتاب أقل حضورا، لكنه الأبقى.