أغنية المؤلف

أغنية المؤلف

استمع إلى المقال دقيقة

أستمع عادة إلى ما يصطلح على تسميته بأغنية المؤلف الفرنسية أو على نحو أدق الأغنية النصية La chanson à texte، التي ازدهرت خصوصا خلال القرن الماضي، وهي أقرب إلى نص أدبي، يغنيه المطرب بوصفه راويا، لتغدو الأغنية قصة قصيرة، فيها بطل وبداية ونهاية وحدث ومشاعر وذاكرة. وهذه الأغنية لا تتجاوز الأربع دقائق (مع استثناءات أكيدة)، يشعر المستمع فيها أنه خرج من قصة قصيرة عميقة المشاعر، وليس وصلة غنائية.

هذا النمط من الغناء الذي انتشر في فرنسا والدول الناطقة باللغة الفرنسية، تركت أثرها في المقاهي والنوادي طويلا، بعد أن اختارت الأدب موطنا لها، فالنص فيها يقود اللحن، والموسيقى تميل في كثير من الأحيان إلى الهدوء بحيث تلامس النص، ثم تبتعد قليلا تاركة للصوت أن يروي الحكاية، وتغدو الاغنية قصة.

هي مختلفة عن مفهوم الأغنية العامة لدينا، لأنها تهتم بالسرد، وبالشخصية التي تحملها في اللحظة الإنسانية الصغيرة، ونجدها تناقش قصص الحب وقضايا المجتمع والأناس العاديين.

فهذا النمط من الأغاني يقع بين الشعر والموسيقى، لكنه في الوقت نفسه تقليد أدبي عريق. هي الذات في النص، والكلمات فيها مركز العمل الفني، مما يمنح هذا النمط مكانته ضمن الأغنية الشعبية والطربية، إذ تسود الكلمة، وتأتي الموسيقى لتخدم إيصال هذه الكلمة، لذا نلاحظ الفرق بين النصوص الغنائية الأخرى، ونص أغنية المؤلف، فهذا الأخير يستقل بذاته ويعيش في قلوب المستمعين، فكل كلمة فيه تأتي لخدمة الحكاية المغناة، ونص القصة، والبطل، والمشهد. ويأتي اللحن ليحملها دون أن يطغى عليها، ليظهر النص في الصوت البديع، كلحظة إنسانية صغيرة، تتحول إلى تجربة كونية.

وهذا يجعلنا نتساءل لماذا لم يتكون عند العرب تقليد مماثل، مع أننا أمة شعر؟ أو لماذا هي قليلة في تجاربنا العربية، بعد سيد درويش وبعض ما أنتجه الرحابنة؟

كان الفلاسفة والروائيون والشعراء والمغنون يجلسون في الفضاء الثقافي نفسه، فتداخلت الحدود بين الأدب والمسرح والموسيقى


في فرنسا، أصبح الشاعر مع هذا النمط الغنائي نجما جماهيريا، فلم يكن الناس يذهبون لسماع الصوت فحسب، بل لسماع الفكرة، ولعل هذا يرتبط بثقافة المقاهي الباريسية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الفلاسفة والروائيون والشعراء والمغنون يجلسون في الفضاء الثقافي نفسه، فتداخلت الحدود بين الأدب والمسرح والموسيقى، لهذا نجد أسماء مثل جاك بريل وإديث بياف وجورج براسانس وليو فيري وشارل أزنافور، وقد جعلوا الأغنية امتدادا للأدب لا منافسا له.

ويكشف الاستماع المستمر إلى أغنية المؤلف بعض ملامحها، فهناك مع إديث بياف مسائل القلب والمشاعر، بينما اشتهر جاك بريل بأدائه المسرحي، أما الشاعر جورج براسانس فتضيء تجربته على الشعر الكلاسيكي، ويضيء ليو فيري على الفلسفة المتمردة، ونسمع مع شارل أزنافور القصة السينمائية القصيرة المسرودة.

أغنية المؤلف تترك الكلمة تسمع، والمستمع يفكر، عكس ما يحصل في أغانينا، التي تصبح فيها الموسيقى البطل الواضح، ما يجعل النص يفقد حقه في التأمل، ويتحول إلى إيقاع يستهلك أكثر مما يقرأ أو يحفظ. وهذا هو ما يجعل أغنية المؤلف الفرنسية قريبة من الأدب، لأنها تحافظ على كرامة الكلمة حتى وهي محمولة على اللحن والغناء.

مكانة الأدب داخل هذه الموسيقى تؤكد أنها لا تنتمي إلى ثقافة الطرب، ولا يعد ذلك تقليلا من شن التراقث العربي وغنائهأن الأغنية في التراث العربي والعالمي، التي نشأ فيها الغناء في بيئة تحتفي بالصوت الجميل، والارتجال، والقدرة على مد النغمة، والتصرف في المقام.. حتى أصبح المستمع يقول: يا سلام على صوته، وحتى القصيدة العظيمة قد تتحول إلى مناسبة لاستعراض الإمكانات الصوتية، بينما في أغنية المؤلف السؤال هو: ماذا قال المطرب؟ أكثر من: كيف غنى؟ فحتى عندما يغني عن الحب، لا يغني فكرة مجردة، بل عن امرأة لها اسم، وعن شارع، ونافذة، وذكرى.

font change