صوت الغائبين

صوت الغائبين

استمع إلى المقال دقيقة

حتى "غوغل" بات ينسى ويختلط عليه الأمر. ولن أسأل الذكاء الاصطناعي في موضوع أجدني في أمسّ الحاجة إلى ما يصلني فيه بإنسانية الإنسان وأخلاقه والنبل. نحن نبحث عن أثر قريب لنا، فنقضي وقتا طويلا لتقصي حقيقة ما، وسط تزاحم الأخبار الملفقة واختلاطها بالحقيقة. ممحاة عملاقة تمحو خلفنا الأثر. ولا بد من استعادة حكاياتنا من جوف هذه الممحاة المتوحشة. وطالما نحن أحياء، لنا الذاكرة التي اشتغلت عليها السوريات والسوريون بأناة ودقة وعناد وجسارة لزمن طويل، على طريق تأسيس الخلاص من حكم الاستبداد، والوصول إلى دولة القانون والعدالة.

على مدى ثلاثة عشر عاما، لم تتوقف اللقاءات الشعرية والأمسيات التي تأسست لكي توصل للسجناء والملاحقين من الشاعرات والشعراء السوريين، أن شاعرات وشعراء سوريين منفيين، حولوا منافيهم إلى منابر شعرية يقرأون فيها شعر رفاقهم المعتقلين والمغيبين والملاحقين. وكانت تلك اللقاءات تستطيع أن تنضوي تحت عنوان عريض هو "الشعر صوت الغائبين".

ففي ظل افتراس النظام الاستبدادي لسمعة المثقف السوري المعارض لنظام حكمه الدموي، استطاع كل منا تأسيس ما يمكنه كي يمثل ثقافة بلاده، كنا نوجع النظام في كل ما نملك من عدة لحماية ثقافتنا وهويتنا التعددية، وصار الجمهور يحفظ أسماء الغائبين ويطالب بأشعارهم، وكتبت عنهم الصحف والمدونات.

كنا نسابق الزمن. نؤمن بأننا نستطيع أن ننقذ الحقيقة والذاكرة والحرية، كانت كلها تحت خطر القتل تحت التعذيب أو الطمس أو التهديد بالنفي والنكران والنسيان مثلنا. نؤمن أن من ينجو منا سيكمل الطريق، فتشاركنا حيث حلت بنا أقدارنا ومصائرنا إنسانية اللقاء وما يجمعنا من ود ولطف وشجاعة وشرف الانتماء مع أهل الأرض إلى الحرية.

من الغائبات والغائبين من الشعراء من نجا من غرفة التعذيب. ونجت هذه القصيدة التي كتبها الشاعر وائل سعد الدين في المعتقل:

"حلمت بعينيك في غرفة الموت

يا كانتا مثل لؤلؤتين تضيئان في عتمة الوقت

تشتبكان مع الوهم

نصف الحقيقة أني رأيتهما تلمعان، ونصف... بكيت".

ورحل الشاعر أجود عامر بعد فترة من خروجه من السجن.

هناك من كنا ننتظر عودتهم لكنهم مع الأسف الشديد غابوا. كصاحب السيرة العطرة، الحقوقي والشاعر ناظم حمادي الذي غاب في دوما، في العاشر من ديسمبر/كانون الأول مع رفاقه الثلاثة وائل حمادة وسميرة الخليل ورزان زيتونة في مركز توثيق الانتهاكات.

كنا نقرأ لناظم من ديوانه "أوراق التوت الغامضة":

"لا الحياة ولا الموت

يوحيان بشيء

لكن ثمة فراشات حمراء

تمضي صاخبة نحو الأعلى

ثمة ضوء يخلع سترته ويندفع إلى ثقب أرضي

وفي كل الأحوال، ليس هناك سوى هواء خفيف

سيعبر من تراب لآخر".

  تشاركنا إنسانية اللقاء وما يجمعنا من ود ولطف وشجاعة وشرف الانتماء مع أهل الأرض إلى الحرية


وغاب الشاعر السوري طيب الذكر ناصر بندق الذي اعتقل في ريف دمشق في 17 فبراير/شباط 2014 وأعلن رسميا عن مقتله تحت التعذيب في مظاهرة مهيبة في ساحة الكرامة في السويداء في  فبراير 2024. اشتهر ناصر بصورة يحمل فيها عصفورا صغيرا يرفرف على يده. وكنا نقرأ له دائما هذا المقطع:

"لتغرد كعصفور البراري

البس معطفك باختلاف

هكذا ببساطة شديدة

لا أكثر ولا أقل" 

ولم يعد الشاعر محمد بشير العاني صاحب ديوان "وردة الفضيحة" الذي قضى على يد "داعش" مع ابنه:

"لهكذا حزن أسرجتني أمي/ أنا الذي قايض الطمأنينة بالهزائم".  

كنا نتمسك بصفة "المواطنة" التي توحد بيننا حين نعرف بهم ونذكر أسماءهم. توحد المواطنة بين الغائبين والحاضرين والخاسرين والمنتصرين. ثورتنا كانت من أجل دولة مدنية، دولة القانون والمواطنة المتساوية. كانت كلمة "مواطنة" غالية على قلوبنا. حقيقتنا، توحدنا كقسم، أو كحلم، أو كطريق.  

لقد متنا مع من مات، وسجنا مع من سجن وتحررنا مع من تحرر ولا نزال نرفض بكامل عنفواننا سلطة الاحتلال، ونرفض هوية المحتل في الجولان الحبيب. من هناك حضرت بيننا قصائد الشاعر الصديق ياسر خنجر الذي أمضى جزءا من أيام حياته في زنازين الاحتلال عقابا على نضاله كمواطن سوري. لا نعرف ياسر إلا وهو ممنوع من السفر، إلا وهو حر وشجاع.

الشاعرة السورية المواطنة فدوى سليمان حضرت شخصيا في تلك "العتمة المبهرة" بعد أن اضطرت إلى الهجرة تحت تهديد الاعتقال وما يعنيه الاعتقال لمناضلة مثلها.

سنحمل جرح الغياب هذا إلى الأبد. وسيحمله الأبد معنا. ذات يوم ستتحقق العدالة. كي لا يتكرر ذلك. ولا يزال نص الحبيبة رزان زيتونة الأخير "الطريق" نصا شعريا ملحميا في ذاكرة الثورات، كنا نقرأه مع حكايته كجزء من السردية الشعرية السورية.

حين أفكر في ذلك العماء وفي تلك المقتلة، في كبرياء الحرية التي كانت تسري في عروق شوارعنا، أرى أن تلك السيدة التي كانت تقوم في كل تلك الظروف الرهيبة بصلة الوصل بيننا، تحكي الحكايات التي تليق بنا، وتمحو أثر الممحاة عن حكاياتنا. أقول في نفسي، هي سوريا  بكل جلالها ودلالها وجمالها وعنفوانها هي هي من قامت بذلك.

font change

مقالات ذات صلة