"اتفاق مكة"... والحل من داخل المنطقة

"اتفاق مكة"... والحل من داخل المنطقة

استمع إلى المقال دقيقة

الحوادث الاستثنائية هي التي يمكن أن تكسر الديناميات الموروثة. وخلال عقود من الزمن قدمت المملكة العربية السعودية نفسها للعالم بصفة جديدة. بأنها قائد استقرار في عالم الشرق الأوسط المضطرب، وفاعل رئيس في الاقتصاد العالمي المتقدم. وشريك موثوق لأكثر التحالفات والمؤسسات الاقتصادية العالمية، وأن لديها القدرة على توليد الخيارات الجديدة، وهو نهج غير منقطع عن تراثها السياسي العاقل والرشيد طيلة القرن العشرين وحتى اليوم.

عام 1990 كانت أزمة احتلال العراق للكويت عميقة الأثر، فتركت للشرق الأوسط ذاكرة مؤلمة، لكنها ولجت به درباً جديداً لحل جوهر الصراع، وثبتت الدور السعودي في حل الأزمات وصناعة الأمن، فأحالت الوضع من حالة الحرب إلى بوابة السلام عبر مؤتمر مدريد والراعي الأميركي. ومع تراجع قطار السلام طرحت المملكة المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت 2002 بالتمسك بخيار قيام الدولة الفلسطينية، وظلت إسرائيل هي التحدي الأكبر، والتي عمقت الانقسام الفلسطيني، إلى أن جاءت حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتداعياتها، وصولاً إلى الحرب الراهنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وها هي المملكة العربية السعودية تستجيب لها ولاضطراب الشرق الأوسط بكل وعي ومسؤولية وتوازن؛ للحفاظ على الأمن وحماية الدولة الوطنية، وتعظيم طريق النهضة التي تحققت فيها، والذي برزت من خلاله اليوم كواحدة من أهم الاقتصاديات العالمية تقدماً وقوة حضارية.

لا يمكن إقصاء القلق العربي من جوهر العلاقة الأميركية-الإيرانية عبر التناوب السياسي داخل الولايات المتحدة بين القطبين الديمقراطي والجمهوري، ولا مع إسرائيل في علاقتها مع أميركا. لذلك جاءت الأفكار السعودية لتحقيق الأمن الدفاعي من المخاطر الكبيرة التي قد تهدد المصالح الوطنية العليا، بشكل واضح وجلي. وهذا ليس من أجل لحظة الحرب الراهنة، بل من أجل حماية المنجز التراكمي الدفاعي وتأمين العبور الآمن للتقدم السعودي، الذي لا يعني السعوديين وحدهم بقدر ما يشكل ازدهاراً للمنطقة بأكملها.

لهذا كله، دخلت المملكة في سياق التحالفات الأمنية والدفاعية سواء التحالف الدولي البحري الذي ضمّ (14) دولة وهو مخصص للدفاع وحماية الملاحة. أو في "اتفاق مكة" الذي جاء استجابة لحظية لأجل الأهداف المستقبلية، فالاعتماد على الحليف الأميركي والرهان عليه لا يبدو كافياً. وإنما جعل الشركاء الفاعلين في الإقليم، أطرافا مشاركة في حماية الاستقرار والأمن، وهذا هو الخيار الموازي الذي يمكن جعله أحد خيارات السلة الأمنية الدفاعية السعودية، مع الاحتفاظ بعلاقات وطيدة مع الدول الكبيرة عبر منظمات تعاون وشراكات متعددة.

دروس الآخرين حاضرة لدى العقل السياسي السعودي الذي تمكن من جمع مقدرات اقتصادية تصل في الدول الثلاث إلى 3.29 تريليون دولار وكتلة سكانية تقارب 363 مليون نسمة



تاريخياً، عرفت المنطقة الكثير من التحالفات، للحفاظ على الاستقرار. والعالم كذلك عرف تحالفات ورؤى كثيرة، لكننا اليوم أمام واقع جديد وحروب جديدة ومشروع سعودي لا يخص السعوديين وحدهم بل يهم المنطقة العربية بأكملها. باعتبارها دولة مركزية مؤثرة في النمو وعنصر التعبئة الأكبر للنشاط الاقتصادي، والوجهة الأكبر للنمو والاستثمار في عالم الشرق الأوسط، لذلك باتت السعودية حامية للازدهار في المنطقة وضامنة للتوازن، في حين باتت الولايات ناهبة لخيرات العالم وطامعة للهيمنة على مناطق وضم دول في عهد الرئيس ترمب.

في المقابل، يحتاج العرب إلى تحالف مصلحي مع المشاريع الحضارية الراسخة في المنطقة، ولما كان ذلك متعذراً مع إيران المعتدية على دول المنطقة، والتي تمول وكلاء وأذرع وميليشيات، كان الخيار التركي والباكستاني طرفين مقبولين لتعزيز منظومة الدفاع، لامتلاك كل دولة مشروعا وطنيا وحضاريا اقتصاديا وسياسيا، ولتكون العلاقة قائمة على مبدأ التعاون والاحترام السيادي والدفاع المشترك كما طرحها "ميثاق مكة" الموقع مؤخراً، وهو خطوة صحيحة وجريئة وحامية لاستقرار المنطقة ولضمان تعظيم الخيارات، وضرورة لتنوع الخبرات والتحالفات الدفاعية، فالولايات المتحدة التي يتبنى ساستها شعار "أميركا أولاً"، من الطبيعي أن تكون العلاقات الدفاعية معه لوحدها حصراً.

وفي الجغرافيا القريبة من "تحالف مكة"، هناك في الشرق تقارب روسي-هندي-صيني بصيغته "الأوراسية"، وهناك منظمات وتجمعات أخرى على أسس اقتصادية قامت منذ رؤية شنغهاي الخماسية عام 1995، وهناك حلف شمال الأطلسي الموروث من حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي يختبر كل يوم في الحرب الأوكرانية-الروسية دون حسمها، وبالتالي فإن دروس الآخرين حاضرة لدى العقل السياسي السعودي  الذي تمكن من جمع مقدرات اقتصادية تصل قيمة ناتجها المحلي في الدول الثلاث إلى 3.29 تريليون دولار وكتلة سكانية كبيرة تقارب 363 مليون نسمة، وبقدرة مشاركة كبيرة في التجارة العالمية، إذ يبلغ  إجمالي صادرات الدول الثلاث 623.6 مليار دولار، وإذا ما أضيف لذلك حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي في دول التحالف فإن المنطقة والعالم ليست أمام تكتل دفاعي وحسب، بل أمام ثقل اقتصادي كبير، وهذا ما قد يشكل عنصر جذب مستقبلا لدول أخرى لتنضمّ للتحالف.

ختاماً، جاء "تحالف مكة" نتيجة لتفكير من داخل المنطقة لا من خارجها، لذلك فإنه سيكون عامل استقرار مباشر، ودافعا لعجلة التنمية، وضامنا للتوازن السياسي، وحافظا للأمن الوطني من المهددات والمخاطر التي تهدد المصالح الوطنية العليا، بما يعزز بيئة الاستقرار ويديم المشاريع الكبرى، التي تستهدف رفاه الإنسان وتحقق السلم والتنمية المبتغاة لحياة الناس.

font change