عن "استقلال" البرلمان السوري

عن "استقلال" البرلمان السوري

استمع إلى المقال دقيقة

خطا مجلس الشعب السوري الجديد خطوة مهمة أخرى على طريق التحول إلى سلطة تشريعية فاعلة. فبعد خمسة أيام من المناقشات الداخلية، أقر المجلس مؤخرا لائحته الداخلية المؤلفة من 231 مادة.

وتتضمن اللائحة كثيرا مما يمكن أن يساعد على تحويل المجلس من المؤسسة ذات الطابع الشكلي إلى حد بعيد التي كان عليها في عهد بشار الأسد إلى سلطة تشريعية أقوى. فهي تمنح النواب إجراءات أكثر وضوحا وأدوات قد تكون أكثر فاعلية. ويمكن، إذا أحسن استخدامها، أن تساعد المجلس على ترسيخ هوية مؤسسية خاصة به.

غير أن القواعد الجديدة تنطوي أيضا على ثغرة قد تضعف هذا التقدم منذ بدايته، إذ تركز قدرا كبيرا من السلطة المتعلقة بإدارة الشؤون الداخلية للمجلس في يد رئيسه. وينطوي هذا الترتيب على خطر إضعاف استقلال السلطة التشريعية، لأنه يمنح قيادتها سيطرة واسعة على الطريقة التي يمارس بها النواب واللجان صلاحياتهم.

وفي اللائحة كثير مما يستحق الترحيب. فالأصل أن تكون جلسات المجلس علنية، وأن تنشر نتائج التصويت ومحاضر الجلسات، فيما يشكل الإفصاح المبدأ العام الناظم للتعامل مع الوثائق البرلمانية. ويتمتع النواب كذلك بحصانة تشمل تصريحاتهم وتصويتهم وسائر الأعمال التي يقومون بها في إطار أداء مهامهم البرلمانية.

وتملك اللجان البرلمانية صلاحية طلب الوثائق والمعلومات من الوزارات والهيئات العامة، واستدعاء المسؤولين لتقديم الإيضاحات، وإجراء زيارات ميدانية. كما يمكن تشكيل لجان مؤقتة للتحقيق في ادعاءات تتعلق بمخالفات جنائية أو مالية أو إدارية، وإحالة نتائج تحقيقاتها إلى الجهات القضائية أو الرقابية المختصة. ويحق للنواب أيضا تسجيل آرائهم المخالفة في المحاضر، فيما تستلزم العقوبات التأديبية الجسيمة تصويتا من المجلس.

وتزود هذه الأحكام البرلمان بأدوات مهمة لمساءلة الحكومة وترسيخ دوره المؤسسي. إلا أن فاعليتها تبقى مقيدة بمدى سيطرة القيادة البرلمانية على استخدامها.

اللجان يفترض أن تكون من أهم مراكز الرقابة والمساءلة داخل أي سلطة تشريعية. ولذلك تعتمد فاعليتها على قدرتها على العمل باستقلال عن الجهات التي تتحكم في جدول أعمال البرلمان

وصلاحيات رئيس المجلس واسعة. فهو يمثل البرلمان، ويدير علاقاته مع السلطتين التنفيذية والقضائية، ويشرف على شؤونه المالية والإدارية، ويحدد مواعيد انعقاد الجلسات، ويضع جداول الأعمال، ويدير المناقشات، ويعين موظفي المجلس. وكثير من هذه المهام يدخل في الصلاحيات المعتادة لرؤساء البرلمانات، إلا أن اجتماعها في منصب واحد يمنحه نفوذا كبيرا على كيفية عمل المؤسسة.

ولا يقتصر هذا النفوذ على الجلسات العامة، بل يمتد إلى اللجان أيضا. فلرئيس المجلس أن يدعو اللجان إلى الانعقاد، كما يترأس اجتماعاتها إذا حضرها. وتمر عبره المراسلات الرسمية بين اللجان ومؤسسات السلطة التنفيذية، فيما تحتاج اللجان إلى موافقته إذا أرادت الاستعانة بخبرات من خارج المجلس.

ويعزز مكتب المجلس، الذي يرأسه رئيس البرلمان، هذه السيطرة. فهو يعين رئيس كل لجنة دائمة ونائبه ومقررها، ويوزع النواب على اللجان، كما يستطيع، ضمن شروط محددة، إعادة تشكيل اللجان أو دمجها. وهنا يبدأ مقتضى الكفاءة الإدارية في الاصطدام بضرورة الحفاظ على استقلال البرلمان.

فاللجان يفترض أن تكون من أهم مراكز الرقابة والمساءلة داخل أي سلطة تشريعية. وهي تبني خبرات متخصصة، وتدقق في سياسات الحكومة، وتتيح للنواب متابعة قضايا قد لا تحتل مكانا بارزا في مناقشات الجلسات العامة. ولذلك تعتمد فاعليتها، إلى حد ما، على قدرتها على العمل باستقلال عن الجهات التي تتحكم في جدول أعمال البرلمان الأوسع.

لكن اللائحة الجديدة تجعل تعيين رؤساء اللجان من اختصاص مكتب المجلس بدلا من انتخابهم من أعضاء اللجان أنفسهم. وقد تجد لجنة تنظر في قضية حساسة سياسيا نفسها، نتيجة لذلك، برئاسة شخصيات تختارها الجهة نفسها التي تملك نفوذا واسعا على تنظيم العمل البرلماني.

لا يحتاج البرلمان إلى الخضوع لرقابة مفروضة عليه صراحة حتى يصبح أكثر حذرا. فالقواعد التي تجعل الاستقلالية مكلفة مؤسسيا قد تكون كافية لدفع النواب إلى ضبط سلوكهم


وينشأ عن ذلك نظام تملك فيه القيادة البرلمانية تأثيرا كبيرا في تحديد المدى الذي يمكن أن تبلغه التحقيقات الحساسة، فيما لا يبدو أن النواب واللجان يملكون آليات موازية تمكنهم من فرض فتح تحقيق أو مواصلته عندما تفضل القيادة عدم المضي فيه.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن الإعلان الدستوري السوري يحد أصلا من قدرة البرلمان على التأثير في السلطة التنفيذية. فغياب آليتي منح الثقة وحجبها مرده إلى هذا الإطار الدستوري، لا إلى اللائحة الداخلية التي لا تستطيع أن تستحدث صلاحيات لم يمنحها الإعلان الدستوري. ومن ثم، فإن سلطة تشريعية لا تملك سوى أدوات دستورية محدودة في مواجهة السلطة التنفيذية ينبغي أن تسعى إلى تعظيم ما تحتفظ به من استقلال داخلي، لا أن تضيق نطاقه أكثر من خلال إجراءاتها الخاصة.

ولا يقتصر الخطر على احتمال أن يتعمد رئيس المجلس عرقلة الرقابة والمساءلة. فالتبعية المؤسسية تستطيع أن تؤثر في سلوك النواب حتى من دون تدخل مباشر. فإذا كان النواب يدركون أن عضويتهم في اللجان، وتوليهم المناصب القيادية فيها، ووصولهم إلى المسؤولين، واستفادتهم من موارد المجلس، بل وحتى مسار القضايا داخل المؤسسة، يعتمد بدرجة كبيرة على رئيس المجلس ومكتبه، فقد تتولد لديهم حوافز قوية لتجنب المواجهة.

ولا يحتاج البرلمان إلى الخضوع لرقابة مفروضة عليه صراحة حتى يصبح أكثر حذرا. فالقواعد التي تجعل الاستقلالية مكلفة مؤسسيا قد تكون كافية، في حد ذاتها، لدفع النواب إلى ضبط سلوكهم وتقييد تحركهم.

ولا يعني ذلك أن رئيس المجلس أو مكتبه سيسيئان بالضرورة استخدام سلطاتهما. غير أن التصميم المؤسسي السليم لا ينبغي أن يعتمد على ضبط النفس لدى من يشغلون مواقع تتمتع بهذا القدر من السلطة.

يمتلك البرلمان السوري اليوم إطارا إجرائيا أكثر جدية مما كان لديه في السابق. لكن القواعد التفصيلية، مهما بلغت دقتها، لا تصنع وحدها سلطة تشريعية مستقلة. وسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت القيادة البرلمانية ستستخدم صلاحياتها الواسعة لتعزيز استقلال النواب واللجان، أم ستحول هذه الصلاحيات إلى أداة أخرى لتركيز السلطة وإضعاف الرقابة على السلطة التنفيذية؟

font change