سوريا... احتجاجات الوقود بين الحكومة والبرلمان

سوريا... احتجاجات الوقود بين الحكومة والبرلمان

دخل وزير الطاقة السوري محمد البشير مجلس الشعب في 20 سبتمبر/أيلول تحت ضغط استثنائي، جمع بين غضب الشارع ومساءلة البرلمان. فقد أشعل رفع أسعار الوقود احتجاجات واسعة في مناطق عدة، فيما طالب أكثر من خمسين نائبا بعقد جلسة عاجلة. وكان يفترض أن تبرهن الجلسة على قدرة البرلمان الجديد على تحويل غضب الناس إلى مساءلة فعلية داخل مؤسسات الدولة.

لكن ما قدمه البشير لم يتجاوز، في جوهره، ما أعلنته وزارته في مؤتمر صحافي قبل ثلاثة أيام. هذا التزامن ترك سؤالين أساسيين من دون إجابة: لماذا اختارت الوزارة أن تعرض مبرراتها وإجراءاتها أمام الصحافيين قبل النواب؟ ولماذا انتظر البشير اندلاع الاحتجاجات كي يعقد مؤتمره الصحافي، بدلا من شرح القرار مسبقا والإعلان عن إجراءات تخفف من وطأته قبل تطبيقه؟

وكانت الأسعار الجديدة قد دخلت حيّز التنفيذ في 13 سبتمبر/أيلول. ارتفع سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، أي بنسبة 40 في المئة. كما ارتفع سعر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين أوكتان 90 من 142 إلى 185 ليرة.

لم يكن أثر هذه الزيادات محصورا بالسائقين. فسعر المازوت عنصر أساسي في كلفة النقل والزراعة والصناعة والتدفئة، وينعكس على معظم السلع التي تنتقل داخل البلاد. وجاء رفع الأسعار في وقت يعاني فيه السوريون من تدني الدخول وتكرار الزيادات في أسعار الحاجات الأساسية.

جاء رفع الأسعار في وقت يعاني فيه السوريون من تدني الدخول وتكرار الزيادات في أسعار الحاجات الأساسية

وكان رد الفعل سريعا. امتدت الاحتجاجات إلى مناطق في الحسكة والرقة ودير الزور وحلب وإدلب. أغلق محتجون طرقا وأوقفوا صهاريج الوقود، فيما ارتفعت أجور النقل. ولم يكن الغضب اعتراضا على قرار منفرد، بل تراكمات سبقت زيادة الوقود، شملت الكهرباء والخبز والاتصالات وغيرها من النفقات الأساسية، بينما بقيت الأجور والقدرة الشرائية عند مستويات شديدة التدني.

أما القيود الاقتصادية التي تواجهها الحكومة فهي واقعية. فبحسب وزارة الطاقة، تنتج سوريا نحو مئة ألف برميل نفط يوميا، فيما تحتاج إلى قرابة ثلاثمئة ألف. وأدى إغلاق مصفاة بانياس لمدة شهرين لإجراء صيانة شاملة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، في وقت كانت فيه أسعار الطاقة العالمية وكلف الشحن والتأمين في ارتفاع مستمر.

غير أن الضرورة الاقتصادية لا تعفي من الإعداد الجيد، فالمشكلة لم تكن في الزيادة وحدها، بل في الطريقة التي فرضت بها: من دون تمهيد للرأي العام، ومن دون خطة جاهزة للحد من آثارها.

وحملت جلسة الاستماع طابعا رمزيا، ولكن من دون أن تفقد معناها. فالإعلان الدستوري الانتقالي يجيز لمجلس الشعب عقد جلسات استماع للوزراء، لكنه لا يمنح النواب صلاحية إقالتهم أو إلزامهم بالتراجع عن سياسة ما، إذ تبقى هذه الصلاحيات بيد الرئيس، لذلك، وعلى الرغم من هذه القيود، ظلت الجلسة مهمة. فمن خلال استدعاء البشير، أراد النواب إظهار قدرة البرلمان على نقل مخاوف الناس إلى قاعة المجلس، ومطالبة المسؤولين بالدفاع عن القرارات المثيرة للجدل. وهذه خطوة ضرورية للمؤسسة التي لا تزال تحاول تعزيز حضورها وإثبات جدوى دورها. لكن ما سبق الجلسة أضعف هذا المسعى. فقد كان مقررا عقدها في 17 سبتمبر، قبل أن يطلب البشير تأجيلها إلى 20 سبتمبر، قائلا إنه يحتاج إلى مزيد من الوقت للإجابة عن الأسئلة الخطية الكثيرة التي قدمها النواب، بسبب اتساع نطاقها وتجاوز كثير منها مسألة رفع أسعار الوقود.

وخلال فترة التأجيل، التقى البشير الرئيس أحمد الشرع. ثم أعلنت الوزارة إجراءات التخفيف في مؤتمر صحافي قبل مثول الوزير أمام النواب. أبقت الخطة الجديدة سعر المازوت العادي عند 175 ليرة لليتر، واستحدثت فئة بسعر 150 ليرة لأنشطة إنتاجية وخدمية محددة، كما أتاحت مازوتا مدعوما أقل جودة، مكررا محليا، بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة وفئات أخرى مشمولة بالدعم.

عالجت هذه الإجراءات جزءا من رد الفعل الشعبي، لكن طريقة إعلانها أثارت استياء بعض النواب. ففي أحاديث خاصة مع الكاتب، عبّر عدد منهم عن عدم ارتياحهم إلى أن يختار البشير عرض الإجراءات الجديدة والدفاع عن رفع الأسعار أمام الصحافيين قبل البرلمان. ووصف بعضهم المؤتمر الصحافي بأنه خطوة "استباقية".

ويرى هؤلاء أن تقديم الإجراءات أمام المجلس أولا كان سيظهر أن جلسات الاستماع قادرة على التأثير في السياسة الحكومية، وهو ما كان سيعزز صدقية المجلس لدى الناس.

لكن ذلك كان سيؤسس أيضا لسابقة. فقد يبدأ المواطنون والنواب عندها بتوقع أن تسفر جلسات الاستماع المقبلة عن تغييرات فعلية في السياسات، لا مجرد تفسيرات. وسواء كان ذلك مقصودا أم لا، فقد حرم إعلان الإجراءات قبل الجلسة البرلمان من رصيد سياسي كان يمكن أن يحصده، وأبقى سقف التوقعات بشأن قدرته على التأثير منخفضا. وقد يخفف ذلك الضغط البرلماني على الحكومة، لكنه يضعف صورة المجلس وأهميته وشرعيته في نظر الناس.

وأثار المؤتمر الصحافي سؤالا آخر أكثر أهمية، طرحه أيضا عدد من النواب في أحاديث خاصة وخلال الجلسة: لماذا لم تعلن الحكومة تفسيراتها وإجراءات التخفيف إلا بعد رفع الأسعار؟

كان يفترض أن لا يتلقى المواطنون الصدمة أولا، ثم يسمعوا المبررات ويحصلوا على تخفيف جزئي للعبء بعد نزولهم إلى الشارع. ولو شرحت الحكومة القرار مسبقا، وأعلنت إجراءات الحماية بالتزامن معه، لما ألغى ذلك العبء، لكنه كان سيمنح الناس وقتا للاستعداد، ويظهر أن الحكومة درست العواقب ووضعت خطة لتخفيف أثرها.

أما ما حدث فأعطى انطباعا بأن الحكومة لم تتحرك إلا بعد اندلاع الأزمة. وهذا يضر بصدقية السلطة التنفيذية، ويقوض الثقة بكفاءتها، ويفتح سؤالا أعمق عن نظرتها إلى الناس الذين تدير شؤونهم: هل تراهم مواطنين لهم حق في الشرح، أم مجرد متلقين لقرارات تصدر من دونهم؟

لا يستطيع البرلمان أن يعزل السوريين عن الضغوط المالية التي تواجهها البلاد، ولا عن صدمات أسواق الطاقة العالمية. لكنه يستطيع أن يطالب بشرح القرارات الكبرى علنا قبل فرضها، وأن تقترن بإجراءات تحمي الفئات الأقل قدرة على تحمل كلفتها. وقد أظهرت الجلسة أن بعض النواب يريدون أداء هذا الدور. وأظهرت أيضا أن مساءلة الوزير، في غياب صلاحيات أقوى واستعداد من السلطة التنفيذية لقبول الرقابة، ستظل أقرب إلى محاولة لإثبات الحضور منها إلى أداة فعلية للمحاسبة.

font change