الغارات الأردنية... هشاشة الشراكة الأمنية مع سوريا

الغارات الأردنية... هشاشة الشراكة الأمنية مع سوريا

استمع إلى المقال دقيقة

دفعت الغارات الجوية الأردنية التي أودت بحياة عشرة أشخاص في جنوب سوريا يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول العلاقات بين دمشق وعمان إلى أخطر منعطف تمر به منذ سقوط نظام الأسد. ورغم تضارب الروايات بشأن التنسيق المسبق وطبيعة الأهداف التي طالها القصف، أبدت الحكومتان علنا عزمهما على احتواء التداعيات والحفاظ على التعاون المتنامي بينهما.

ويحمد للطرفين هذا الضبط، غير أنه يترك سؤالا جوهريا بلا جواب: لماذا تجاوز الأردن، بحسب ما ورد في التقارير، السلطات السورية ونفذ عملية عسكرية على أراضيها؟ فالحادثة تكشف نقطة ضعف في سياسة "صفر مشكلات" التي تنتهجها دمشق، إذ يظل التقارب الدبلوماسي هشا ما لم تسنده آليات فعالة للتعاون الأمني.

وإذا بقيت هذه الثغرة من دون معالجة، فقد تتحول التهديدات العابرة للحدود إلى أزمات دبلوماسية متكررة. ولذا ينبغي لدمشق وعمان أن تغتنما هذه اللحظة لتحديد مسؤولية كل منهما، وإرساء شراكة أمنية قادرة على حماية السكان على جانبي الحدود.

روايات متضاربة

جاءت الغارات في أعقاب هجوم استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك الأردنية يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص. وبعد ثلاثة أيام، قصفت طائرات حربية أردنية مواقع في جنوب سوريا قالت عمان إنها مخابئ لإرهابيين. واستندت السلطات الأردنية إلى معلومات استخباراتية تتحدث عن تهديدات وشيكة، وأعلنت أن العملية أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين عنصرا من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتدمير مستودع كبير للأسلحة.

أما دمشق فقدمت رواية مغايرة تماما، إذ أعلنت السلطات السورية مقتل عشرة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، وإصابة أربعة آخرين. وكان خمسة من القتلى من أسرة واحدة، في حصيلة تكشف فداحة الثمن الإنساني للعملية. ولم تؤكد السلطات السورية سقوط أي من عناصر "داعش"، فبقيت المزاعم الأردنية من دون تحقق، وأثارت تساؤلات بشأن دقة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها عملية تحديد الأهداف.

وامتد التباين إلى مسألة التنسيق المسبق. فقد أكد الأردن أنه نسق الغارات مع دمشق، فيما نفت السلطات السورية تلقي أي إخطار مسبق، وأدانت العملية باعتبارها انتهاكا لسيادتها.

واتفقت الحكومتان لاحقا على تشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في الغارات وتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العملياتي. وأسهم الاتفاق في تخفيف التوتر الدبلوماسي، لكنه أبقى أسئلة أساسية معلقة بشأن آليات عمل الأجهزة الأمنية في البلدين معا.

حدود النوايا الحسنة

كشفت الغارات عن فجوة بين تحسن العلاقات السياسية بين دمشق وعمان وقدرة البلدين على التعاون الفعلي في المجال الأمني. فمنذ سقوط نظام الأسد، اتسعت الاتصالات الدبلوماسية ومجالات التعاون بين الحكومتين إلى مستويات لم تعرفها العلاقات منذ سنوات. غير أن هذا التقدم لم يثمر بالضرورة ثقة متبادلة، ولا ترتيبات عملية كافية لمواجهة التهديدات على امتداد الحدود المشتركة.

وتوحي التصريحات العلنية للحكومتين بأن الإرادة السياسية للتعاون قائمة. أما السؤال الأهم فهو: هل تستطيع الترتيبات القائمة تحويل هذه الإرادة إلى عمل فعال حين تبرز تهديدات أمنية؟

على الأردن أن يسهم في ترسيخ الثقة، عبر العمل من خلال المؤسسات السورية لمعالجة التهديدات المنطلقة من الأراضي السورية

ويحتاج الأردن في هذا السياق إلى الاطمئنان إلى أن المعلومات الاستخباراتية التي يشاركها مع دمشق ستخضع للتحقق، وأن السلطات السورية ستتعامل معها بما يلزم من سرعة. ويقتضي ذلك مؤسسات أمنية سورية كفؤة، وقنوات اتصال موثوقة، وإجراءات واضحة للاستجابة للتهديدات العاجلة. وكلما زادت ثقة الدول المجاورة بقدرة المؤسسات السورية على معالجة هواجسها الأمنية، تعززت حماية السيادة السورية نفسها.

وعلى الأردن بدوره أن يسهم في ترسيخ هذه الثقة، عبر العمل من خلال المؤسسات السورية لمعالجة التهديدات المنطلقة من الأراضي السورية. وحتى عندما تكون مخاوفه الأمنية مشروعة، فإن تجاوز دمشق يهدد بإضعاف مصداقية المؤسسات التي يحتاج إليها شريكا أمنيا موثوقا.

ويقتضي التحدي إذن الانتقال من التعهدات السياسية إلى ترتيبات أمنية عملية، تستطيع الحكومتان الركون إليها عند ظهور التهديدات.

من التقارب إلى التعاون

يتيح الاتفاق على تشكيل اللجنة المشتركة فرصة لسد هذه الثغرة. وينبغي أن يمتد عملها إلى ما هو أبعد من التحقيق في الغارات الأخيرة، فتضع ترتيبات عملية تقلص احتمال تكرار حوادث مماثلة.

ويشمل ذلك إجراءات واضحة لتبادل المعلومات الاستخباراتية العاجلة، وتقييما مشتركا للتهديدات، وتحديدا للجهات المسؤولة عن التصدي لها. ويتعين على الحكومتين كذلك الاتفاق على كيفية التعامل مع المخاطر العابرة للحدود، بما في ذلك الحالات التي قد تفتقر فيها القوات السورية إلى القدرة على التحرك، أو يتعذر عليها الاستجابة في الوقت المتاح.

وينبغي أن تحتل موثوقية المعلومات الاستخباراتية موقع الصدارة في هذه الترتيبات. فالتقارير عن نشاط مسلح في موقع ما لا تكفي للجزم بهوية جميع الموجودين فيه، ولا لإثبات أن هجوما وشيكا يجري الإعداد له. ومن شأن التقييمات المشتركة، المدعومة بمعلومات استخباراتية محلية، أن ترفع دقة القرارات العملياتية وتحد من المخاطر على المدنيين.

ولا يكتمل ترميم العلاقة من دون المساءلة عن مقتل المدنيين. فمن حق الأسر المتضررة أن تحصل على تفسيرات موثوقة لكيفية اختيار الأهداف، والاحتياطات التي اتخذت، وما إذا كانت أخطاء قد وقعت. وينبغي إعلان النتائج كلما أمكن، مشفوعة بجبر مناسب للضرر ومحاسبة عن أي إخفاقات تثبت.

لقد أثبتت الحكومتان قدرتهما على احتواء أزمة دبلوماسية، وعليهما الآن أن يبرهنا على أن مؤسساتهما الأمنية قادرة على الحيلولة دون أزمة أخرى. وسيتحدد الاختبار الحقيقي للتقارب بين دمشق وعمان بما إذا كان التهديد الجدي المقبل سيقود إلى استجابة منسقة تحمي السكان على جانبي الحدود.

font change