ظل رهبان دير كادوان، في جنوب غربي فرنسا، قرونا يعرضون قطعة نفيسة من الحرير والكتان على أنها الكفن الذي غطي به رأس المسيح بعد الصلب، كان المسيحيون يحجون إليها، وتحملها المواكب في المناسبات الكبرى، حتى غدت شهرة الدير متصلة بذلك الأثر المقدس. وفي ثلاثينات القرن العشرين، انتبه الباحثون إلى الحاشية التي تطوق النسيج، فانكشفت المفاجأة، كتابة عربية تفتتح بالبسملة والشهادة، وتذكر الخليفة الفاطمي المستعلي بالله ووزيره الأفضل. كان "كفن المسيح المقدس" في حقيقته "قطعة إسلامية"، فهو منسوج فاطمي صنع في مصر نحو عام 1100م، ثم وصل إلى فرنسا ضمن أحداث الحروب الصليبية، وبشكل غريب وغامض اكتسب هناك قداسة مسيحية استمرت أكثر من سبعة قرون.
كانت المنسوجات والتحف من أهم وسائط الفن المتنقل في العصور الوسطى؛ يسهل نقلها وإهداؤها، وتقطع الرحلة من قصر إلى قصر، ومن ميناء إلى كنيسة. وصلت إلى أوروبا عبر التجارة والهدايا والحج والغنائم وانتقال الصناع، وحملت معها الألوان والزخارف وتقنيات النسج، وفي طليعتها "الحرف العربي" الذي أصبح أهم وسيلة لتزيين القطع والمنسوجات، والارتقاء بها إلى عالم الفخامة والأبهة. لهذا كانت قطع الحرير والخزف والمعادن المزخرفة بالخط العربي أشبه بموضة فنية عالمية، يراها الصانع فيقتبس إيقاعها، وينقل الرسام حواشيها إلى ثياب شخصياته وهالاتها.
ومن أكثر الشواهد إدهاشا على ذلك، حوض مملوكي فاخر يعرف اليوم باسم "حوض تعميد القديس لويس" (Baptistère de Saint Louis). صنع في مصر أو الشام نحو 1330–1340 من النحاس الأصفر المطعم بالذهب والفضة، ووقعه صانعه المعلم محمد بن الزين. ويرجح أنه كان من أواني البلاط المستخدمة في غسل الأيدي أثناء الولائم المملوكية. وصل إلى فرنسا في ظروف مجهولة، ثم ظهر في القرن الخامس عشر ضمن خزانة كنيسة سانت شابيل الملكية في قصر فانسن، قبل أن يتحول إلى حوض لتعميد أبناء الأسر الحاكمة؛ وقد استخدم سنة 1606 في تعميد ولي العهد الذي أصبح لاحقا الملك لويس الثالث عشر. وهكذا انتقلت تحفة مملوكية من العالم الإسلامي بكل ما تحمله من نقوش وزخارف وحروف عربية، لتصبح جزءا من أقدس الطقوس الملكية المسيحية.
أحاطت بالحروف العربية هالة مثيرة، ممزوجة بعوامل دينية وقدسية يغذيها ذلك الغموض القادم من الشرق
لن تكون هذه القصص غريبة أو مفاجئة، إذا علمنا أن الخط العربي في ذلك الزمان كان فنا عالميا ارتبط بالرقي والذوق والمكانة، والمدن العربية كانت عواصم العلم والمعرفة، وقبلة الطلاب والباحثين عن فرص النجاح والتفوق، والاقتباس من روح النهضة العربية النابعة من "الشرق الفاتن"، لهذا أحاطت بالحروف العربية هالة مثيرة، ممزوجة بعوامل دينية وقدسية يغذيها ذلك الغموض القادم من الشرق: أرض الأنبياء، وموطن المسيح.
ظهرت الزخارف المزينة بالخط العربي في البلاطات والكنائس، ثم أخذت الورش الأوروبية تنتجها وتحاكيها، فالموضة تبلغ ذروة انتشارها عندما تتجاوز استيراد القطعة الأصلية إلى تقليدها محليا، ويتحول العنصر الوافد إلى جزء من اللغة الفنية للمجتمع الذي استقبله.
مر هذا الحضور بثلاث مراحل، بدأت الأولى بانتقال القطعة الإسلامية نفسها، كما حدث في "كفن كادوان" ومنسوجات أخرى غدت أغطية للذخائر وأكفانا للقديسين. وفي الثانية استخدمت العربية كتابة صحيحة داخل بلاطات مسيحية، وأفخم مثال على ذلك رداء الملك النورماني روجر الثاني؛ فقد صنع في باليرمو سنة 528هـ/1133م، وطرز بالذهب واللؤلؤ، وامتدت على حافته كتابة عربية تمجد السعادة والعز والمجد والنصر، ثم استخدم الرداء في تتويج ملوك وأباطرة أوروبا، فوقفوا في أكثر طقوسهم السياسية جلالا مرتدين عباءة تطوقها كلمات عربية.
أما المرحلة الثالثة، والأكثر دلالة على اكتمال الموضة، فكانت ما يسميه مؤرخو الفن بـ"الخط الكوفي المزيف" أو "الخط العربي الزائف" وهي علامات ورموز تحاكي هيئة الكتابة العربية من غير أن تكون كلمات قابلة للقراءة، ووصفها بالزائفة لا يعني التزوير؛ وإنما هي محاكاة لصورة الكتابة العربية، وتوظيف فني للشكل الذي تولده الحروف بعد انفصالها عن اللغة.
ظهرت هذه المحاكاة في عمارة دير أوسيوس لوكاس باليونان، ثم على أواني القربان المصنوعة في ليموج الفرنسية نحو عام 1200، حيث أحاطت بالأواني أشرطة من حروف كوفية متخيلة.
ومن التحف والعمارة شق الحرف العربي طريقه إلى التصوير الإيطالي، ففي القرن الثالث عشر وضع الرسامون أشرطة شبيهة بالعربية على أطراف الثياب، وأطر اللوحات، وهالات القديسين. وبلغت الظاهرة أوجها في القرن الخامس عشر، فظهرت في أعمال جنتيلي دا فابريانو، وفرا أنجيليكو، وجيوفاني بيليني. وفي لوحة "سجود المجوس" لجنتيلي دا فابريانو عام 1423، تتوزع الكتابات الشبيهة بالعربية على الهالات والثياب، وتتجلى في أكثر المواضع قدسية في اللوحة.
الفنان الذي يحاكي خطا لا يقرأه يعني أن الشكل أصبح فنا قائما بذاته
تكشف هذه الرحلة أن أثر الحضارة العربية في أوروبا تجاوز العلوم والكتب المترجمة إلى الفن والذوق. أقمشة وحروف وألوان اخترقت الفنون الأوروبية، وكان الخط العربي من أوضح شواهدها. فالتقليد وليد الإعجاب، والفنان الذي يحاكي خطا لا يقرأه يعني أن الشكل أصبح فنا قائما بذاته. وإذا كانت الموضة العالمية اليوم هي الرطانة باللغة الإنكليزية، فإن اللغة العربية كانت في زمن مضى موضة الفن العالمي، ودلالة الرقي الحضاري والثقافي.
لقد ظهر الحرف العربي نصا على رداء ملك، وزخرفة على إناء قربان، وهالة حول رأس العذراء، وشق طريقه خارج حدود الحضارة التي أنجبته، فالجيوش تفتح المدن مرة، أما الثقافة والفنون فتقيم فيها قرونا، وقرونا.