المشروع الإيراني والانطلاق من الماضي

المشروع الإيراني والانطلاق من الماضي

استمع إلى المقال دقيقة

قبل ثلاثة عقود ونصف، كان الشرق الأوسط يدخل تحت مظلة الراعي الأميركي بوابة السلام عبر مؤتمر مدريد عام 1991 في محاولة لإنهاء الصراعات وبناء نظام إقليمي تتموضع فيه إسرائيل مع البلدان العربية ضمن مسار التسوية الذي كانت مصر السباقة فيه في عهد الرئيس محمد أنور السادات، بهدف أن يأتي السلام وتحل فيه معضلة أطول صراعات العالم الموروثة من القرن العشرين.

آنذاك، جاء قرار السلام العربي بناء على خيارات الدولة الوطنية، وإجماع العالم على ضرورة إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط الذي شهد لاحقا انعطافات متعددة، تعقدت مطلع عام 2011 مع ما سمي "الربيع العربي" الذي أحال المنطقة إلى مواجهات عدة مع الفوضى والإرهاب وعدم الاستقرار تارة، ومع الأطماع الجيوسياسية للطرفين الإسرائيلي والإيراني تارة أخرى.

وقبل ذلك تعقدت إسرائيل أيضا، وصعد فيها اليمين الذي ما زال يحكمها، ويسعى لإجهاض خيار السلام وإنهاء مشروع حل الدولتين، وجاءت المبادرة العربية للسلام في عام 2002 لتعيد تأكيد المساعي العربية الداعية للالتزام بخيار السلام وحل الدولتين، والتي انطلقت من فهم عربي آنذاك لمشروع شرق أوسط جديد مغاير للطرح الإسرائيلي الذي قدمه شيمعون بيريز والذي كان يطمح لوضع إسرائيل في موقع القيادة للمنطقة.

لكن خيار العرب الثابت نحو السلام واجه تحديا آخر، وهو ظهور إيران متزعمة خيار الممانعة بأذرعها ومشروعها التوسعي الذي أدخل لبنان في نفق الفوضى بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، ومع أنه تلاه انسحاب سوريا من لبنان، إلا أن الصور التي كانت تنتشر في شوارع دمشق للثلاثي (بشار الأسد وأحمدي نجاد وحسن نصرالله)، كانت تعلن أن المشروع الإيراني أخذ وضعية جديدة في سوريا وفي لبنان، ثم أخذ بالتمدد بعد عام 2011، ذلك العام الذي أحال المنطقة إلى عقد من الفوضى والخراب في أكثر من دولة.

وبعد ذلك جاءت حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي دفعت إسرائيل لتعزيز تفوقها وسعيها للتمدد وتدمير خيار حل الدولتين، الذي تمسك به العرب وسعوا بجهد كبير لإحيائه وتجديده، ورافق ذلك تعافي سوريا الشقيقة وخروجها من زمن الثورة إلى زمن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الانتقالية، وخروج إيران منها، واكتفائها بالساحة العراقية واليمن مع الاستمرار بالعلاقة مع "حزب الله"، الذي أدخل لبنان مرة أخرى في حرب مدمرة مع إسرائيل.

بالرغم من تقليم أظافر إيران في سوريا ولبنان، فإنها ظلت تتحدث عن وحدة الساحات، وعن المصير الواحد في مواجهة إسرائيل وأميركا معا، وتربط اليوم مصائر الأذرع بأي تسوية مع الولايات المتحدة، وتريد رفض الاعتراف بالهزيمة وبالخروج من المنطقة، وتقاتل من أجل البقاء فاعلة في الدول التي لها فيها فصائل وأذرع تابعة، مسوّقة مقولة محاربة قوى الاستكبار العالمي وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مستخدمة فكرة المجال الحيوي والتمدد عبر عدة وسائل منها القوة الناعمة أو القوة الصلبة، التي استخدمتها في أكثر من صورة، ومستغلة موقعها الجيوسياسي وطول حدودها البالغة أكثر من 7800 كيلومتر مع دول القوقاز في الشمال وباكستان وأفغانستان شرقا، والعراق وتركيا غربا وشمالا، وهي في ذلك قسمت مجالها الحيوي على دول القوقاز ودول الخليج في الجنوب، وباكستان وأفغانستان شرقا، وتركيا والعراق غربا. ومع الهيمنة على العراق بعد عام 2004 واصلت طريقها نحو سوريا وصولا إلى لبنان، وأغرقت العراق وسوريا ولبنان بوسائل القوة الناعمة والخشنة التي دعمت هيمنتها فيها.

لإيران مشاكل حدودية مع كل الدول التي تجاورها، سواء على إثر الثروات النفطية أو بسبب الإرث السكاني المتمثل بالأقليات، مما أوجد عداء تاريخيا موروثا، ولهذا ظلت إيران في حالة من عدم الاستقرار في علاقاتها مع جوارها


لإيران مشاكل حدودية مع كل الدول التي تجاورها، سواء على أثر الثروات النفطية أو بسبب الإرث السكاني المتمثل بالأقليات، مما أوجد عداء تاريخيا موروثا، ولهذا ظلت إيران في حالة من عدم الاستقرار في علاقاتها مع جوارها، وزادت على عوامل الجغرافيا والتاريخ، عامل تصدير الثورة الذي عبرت عنه في أكثر من صورة وفي أكثر من بلد، وبقيت دولة ثيوقراطية تستند لمبدأ العصمة في الحكم، وأدخلت الشرق الأوسط عبر أربعة عقود ونيف في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

ولم تكتف إيران بالمجال الحيوي القريب في دوائره الثلاث شرقا وغربا وشمالا، بل تمددت في أفريقيا، فاستخدمت فيها المال لنشر التشيع عبر المراكز الثقافية والدينية، وجاء ذلك تتويجا لنظرية أم القرى التي طرحها المفكر الإيراني محمد جواد لاريجاني، والتي تعطي لإيران هالة القداسة في العالم باعتبارها أم القرى التي يجب أن تقود العالم الإسلامي.

وحقيقة لا تنفصل الحالة الدينية في إيران عن الحالة القومية، والشعور بضرورة استعادة الماضي الفارسي الذي لن ينسى للعرب المسلمين إنهاء إمبراطوريته، ليتلاقى مشروعها القومي الديني مع المشروع الشرق أوسطي الجديد، الذي كان يطمح لوضع إسرائيل في مركز التفاعل الجيوسياسي من بوابة الدين والقومية. وبدا ذلك جليا بطرح مفهوم إيران الكبرى التي تضم إحدى عشرة دولة مقابل إسرائيل الكبرى.

وإيران الكبرى لا تقف عند إحدى عشرة دولة، بل تطمح للنفوذ في دول مثل أذربيجان وأوسيتيا وروسيا، وهذه مجتمعة تضم أكثر من 300 مليون مسلم، وتضم شعوبا وأعراقا مختلفة، وهي تستخدم فكرة المجال الحيوي لتحقق نفوذا في دول عربية عديدة، وهي بذلك لا تملك غير مشروع تضخيم فكرة الدولة المعصومة، الآتية من الماضي، مقابل دول وطنية تسعى للرفاه والازدهار.

font change