أين تكمن ثقة بوتين؟

أين تكمن ثقة بوتين؟

استمع إلى المقال دقيقة

يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنير وستيف ويتكوف، في محاولة لخلق فرصة سلام لحربه مع أوكرانيا التي طالت، بعد تطورات كبيرة في الآونة الأخيرة. وينصت له مبعوثا ترمب، عندما يتحدث عن أهمية وفائدة اللقاءات وضرورتها، قائلاً إن لديه ثقته في الطرف الأميركي، الذي غادر موسكو للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حاملاً رسائل متبادلة.

لا تقف الحروب بالسهولة التي تبدأ بها، والخسارات كبيرة، والشتاء على الأبواب، وغير بعيدة زيارة ويتكوف وكوشنير، عن موعد الزيارة المفاجئة لجون راتكليف رئيس جهاز المخابرات الأميركي لموسكو أواخر أغسطس/آب الماضي، والتي تعد الزيارة الأولى المعلن عنها وغير المسبوقة منذ عام 2012.

هل ترتب واشنطن شيئا مع بوتين فيما يخص علاقته مع إيران عبر مسرح حربه مع أوكرانيا؟ ربما يحدث ذلك، فالعلاقات الإيرانية-الروسية، والصينية معها، ساهمت بصمود النظام الإيراني، في مواجهته مع الولايات المتحدة. ولدى موسكو في التعامل مع أزمات حلفائها تاريخ مديد من البرغماتية السياسية، وقد حدث ذلك مع العراق في التسعينات ومع سوريا قبل عامين عند سقوط نظام الأسد، فللكرملين سياساته ومواقفه ومصالحه وحساباته حين يقرر الفاعل الأميركي ضرورة اقتلاع نظام متمرد، وقد تكون الصفقة عبر ترتيب التفاوض للخروج من مأزق حرب مكلفة لسيد الكرملين.

لكن هل بوتين صادق في افتراضه الثقة بالأميركان؟ وهل الوقت متاح لمصالحة وإنهاء الحرب مع أوكرانيا من خلال الراعي الأميركي؟ وهل أوكرانيا قادرة على الصمود أم إنها هي التي طلبت تدخل ترمب؟

التقديرات في حالة الحرب، غيرها في حالة طلب الجلوس إلى موائد التسوية، وإذا أخذنا التطورات التي جرت في 5–6 سبتمبر/أيلول 2026 تحديداً، فإن السؤال الذي يطرحه مشهد جلوس بوتين مع كوشنير وويتكوف بالغ الأهمية؛ لأن هكذا اجتماع لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد لقاء تفاوضي، بل باعتباره اختباراً لمدى استعداد موسكو وواشنطن وكييف للانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.

لقاء بوتين مع مبعوثي ترمب كما نشر، استمر لنحو ثلاث ساعات، ثم كان الانتقال إلى كييف للقاء الرئيس زيلينسكي. وفي التدقيق بحديث بوتين مع الطرف الأميركي والسؤال عن ثقته به، يبدو أن التعبير الأدق هو أن بوتين لا يثق بالأميركيين، لكنه يثق بضرورة تعظيم مكاسبه من خلال التفاوض معهم.

وبين الأمرين فرق جوهري. ففي رأس بوتين نظرة واضحة إلى أن الولايات المتحدة هي الطرف القادر على تقديم حلول، فأوروبا عاجزة، ومشغولة بهمومها وانقساماتها، والتسويات منذ الحرب العالمية الثانية، لا بديل لها عن ممر واشنطن! وهذا لا يعني أن بوتين قبل بالطرح الأميركي كما هو، بقدر ما أراد اختبار القدرة الأميركية بضغطها على غريمه زيلينسكي.

قبيل اللقاء الروسي-الأميركي، وتصاعد المواجهات والاستهداف المشترك عبر المسيرات لمصالح حيوية روسية وأوكرانية على رأسها مصافي النفط وسلاسل التوريد ومخازنها، أكد بوتين رؤيته النهائية للحرب المعنونة بالنصر، وأنه لا يرى في القيادة الأوكرانية طرفا مناسبا للتفاوض.

لدى بوتين ثقة بالانتصار إذن، ولدية ثقة بأن المفاوضات قد تأتي له بأثمان كبيرة دون خسائر أخرى


لدى بوتين ثقة بالانتصار إذن، ولديه ثقة بأن المفاوضات قد تأتي له بأثمان كبيرة دون خسائر أخرى، ذلك مفتاح السلوك الخاص به، أما التوقيت فهو قد يكون مناسبا لخفض التصعيد، عبر مهلة الثلاثة أيام، لكنها لن تؤدي لسلام نهائي، وأبواب التسوية محكومة بعوامل متعددة، فبرغم السيطرة الروسية على 20 في المئة من أراضي أوكرانيا فإن ذلك لا يكسبها موقف قوة لفرض سلام نهائي. 

أما أوكرانيا فرهانها على استعادة كل ما فقدت لم يعد خياراً سهلاً، والدعم الغربي هو قوس الرهان، واستعادة جميع ما فقدته من أراضٍ دفعة واحدة قد يكون ميزان التفاوض مع الروس وعنوان المحادثات مع مبعوثي ترمب، وهنا يصبح البديل عن استعادة كل ما فقدت هو البحث عن مستقبل آمن للدولة.

هنا مكمن التدخل الأميركي، ومفاده بالنسبة للروس إقناعهم بأنهم لن يحصلوا على كل شيء بالقوة، وبالنسبة للأوكرانيين لن يستعيدوا كل شيء بالقوة، بمعنى أن التدخل والوساطة الأميركية تنحصر في ترويض الخصمين، وعند الوصول لهذا الخيار تبرز العقد الكبيرة التي تتعلق بأمن أوكرانيا وحماية سيادتها والأراضي المحتلة، وفي العقوبات الغربية على الروس، وعلاقة أوكرانيا مع "الناتو". 

براعة بوتين، لا تكمن في هذه المرحلة في تبادل المجاملات مع الوفد الأميركي، ولا في إقناعهم بمنسوب ثقة كبير، بل في تحويل الأميركان من دور الوسيط إلى دور الفاعل الضاغط على أوكرانيا، وفي نقل العبء السياسي الأميركي من موسكو إلى كييف، لذلك حرص على إظهار صورة للمبعوثين الأميركان بأنه رجل قابل للتفاهم معه.

بعد اللقاءات في موسكو وكييف أعلنت واشنطن أن لقاء موسكو ناقش "خططاً جوهرية للخطوات التالية"، وأكد الروس على فائدة اللقاء، الذي لم يحدث اختراقا يذكر.

شرق أوسطياً، هناك التصعيد الأميركي-الإيراني، وفي ممرات البيت الأبيض، قد يكون الحوار حول ضرورة تحييد الروس وتخليص إيران من حليف مهم ساهم في إبقائها، بعد أن فشلت واشنطن في انتزاع حياد صيني معلن في الحرب مع إيران، وظل الدعم الصيني جليا لإيران.   

ختاماً، الحروب لا تنتهي كما تبدأ بسرعة، ولا تلغى أسبابها بجلسات تبادل المجاملات.

font change