صدر مؤخراً عن معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي "إمباكت سي" (IMPACT-se) الإسرائيلي تقريرٌ بعنوان: "حول التعليم والكتب المدرسية الأردنية"، والذي وصفته صحيفة "معاريف" بـ"المقلق جداً"، ونُشرت منه مقتطفات في مايو/أيار 2026. وقد تتبع التقرير نحو 294 كتابا مدرسيا في مباحث التربية الإسلامية واللغة العربية والعلوم الاجتماعية والتربية الوطنية والمدنية.
وأشار المعهد إلى أنه تمّتِ المراجعة وفق معايير اليونسكو نحو السلام والتسامح في التربية، واختارت "معاريف" المقتطفات منقطعة عن أصول النصوص في التقرير لتبرز أنها تتعارض مع قيم التسامح والاعتدال، ومع التعايش الإسلامي-المسيحي ومبادئ "رسالة عمان" ومع اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية (1994)، وتحمل في جوهرها العداء لليهود. وهذا ما أشار إليه التربوي العريق وزير التربية السابق عزت جرادات، في مقال علق فيه على التقرير الذي بلغت عدد صفحاته 133 صفحة، كما نوه إليه الكاتب الصحافي الأردني المغترب باسل رفايعة، وطالبت إحدى نائبات مجلس النواب من المرجعية الفكرية الإسلامية بضرورة مراجعته.
قبل الإشارة لفحوى التقرير، كانت المناهج الأردنية تهاجم من قبل جماعة "الإخوان المسلمين"، بحجة أن المناهج قُلمت وشذبت، وحذفت النصوص الدينية، وشطبت تاريخ البلد وهويته ورموزه التاريخية، وعندما وضع في منهج الموسيقى إشارة لفنانة عربية هي سميرة توفيق، التي أحيت المفردة الأردنية وغنت من التراث الأردني، ناهضت الانتداب وكلوب باشا، بقصائد ملحنة لـحابس باشا المجالي، الذي قاد معركتي باب الواد واللطرون عام 1948، كان الهجوم على المركز الوطني للمناهج ولجان التأليف من قبل أصوات إسلامية إخوانية. وأخرى كانت تقول إنها تخشي على الوطن أكثر من المؤلفين، وبأن المناهج سلخت الأجيال عن دينها وتاريخها، وأضاعت هوية الوطن العربية والإسلامية.
التقرير الإسرائيلي نبه من كانوا يتهمون الأردن بأنه أغلق تاريخه النضالي نحو فلسطين، وأنه محا هويته العربية الإسلامية، بأنهم مخطئون، وأن العمل كان كبيرا، ولم يخضع لأي توجيه سياسي
ونزيد علما للذين تنبهوا للاحتجاج الإسرائيلي، على مناهج الأردن، بأن مناهج التاريخ والجغرافيا قاد الإشراف المفصل عليها منذ نحو خمس سنوت وحتى اليوم، المفكر العربي والمؤرخ الأردني علي محافظة، المعروف بخطه الفكري القومي والوطني، وبمشاركة نخبة من مؤرخي وتربويّي الأردن، وكذلك ينطبق الأمر على مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية وغيرها، فالمناهج صناعة أردنية وطنية، ذات كفاءة ومحمول تربوي قيّم، ولم تسعَ للتسييس والأيديولوجيا، بل إنها كانت تسعى لتقديم المعرفة وحدها، دون عزلها في التاريخ عن الهوية الوطنية ورموز البلاد وإنجازاتها وبطولات جيشها العربي وقيم المجتمع.
فما الذي تغير الآن حتى يأتي نواب من التيار الإسلامي لينوّهوا بتقرير معهد "إمباكت سي" الإسرائيلي؟! الجواب لا يفسره عدم الاطلاع على عمل اللجان التربوية التي هي من اختصاص الدولة ومؤسساتها لا من عمل الأحزاب والنواب، علما أن المناهج عُرضت على معلمين قبل إقرارها وشاركوا بها، كما استقبل المركز الوطني للمناهج تغذية راجعة من الأهالي والطلبة أيضا.
كان يقال عن مناهج التربية الاجتماعية إنها مكثفة ومرهقة للطلبة، لأنها تعطي كمية أحداث ومعلومات كثيرة، وتركز على التراث الحضاري للأردن، وقلنا يومها، وكاتب هذه السطور من اللجان المؤلفة: بأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، مع إيماننا بحق النقد وبأن يكون واضحا ومباشرا وبدائليّ وللأفضل، وتم إجراء تعديلات وُجد أنها لازمة.
المهم، أن التقرير الإسرائيلي نبه من كانوا يتهمون الأردن بأنه أغلق تاريخه النضالي نحو فلسطين، وأنه محا هويته العربية الإسلامية، بأنهم مخطئون، وأن العمل كان كبيرا، ولم يخضع لأي توجيه سياسي، وإنما لجان في مختلف المباحث رأت ما يجب، وما هو ضروري، لكي يوضع في المناهج الوطنية.
المناهج أمر سيادي للدولة، وهي تراعي قيم المجتمع ومثله وعقائده
إسرائيل تقول إن المناهج الأردنية تعادي السامية، ولا تؤسس لمفاهيم التسامح، وتتهمها بمجملها أنها تكرس العداء لإسرائيل. وأن إسرائيل لا شرعية لها، وتصفُ الصهيونية بالعنصرية، وتتهم الاحتلال بممارسة التطهير العرقي، وأنها غير معنية بـ"الهولوكوست" وجرائم النازية، وأن إسرائيل تعتمد في وجودها على الأساطير مثل "أرض الميعاد". وتقول أيضا إن الكتب المدرسية الأردنية تستثني اليهود وإسرائيل في التعامل مع قيم الاعتدال والتسامح والسلام المنبثقة من الإسلام و"رسالة عمّان"!! وأنها تعتبر أن مكانة المرأة ثانوية في منظومة القيم الأُسريّة والمجتمعية، كما أنها تعتبر "المثلية الجنسية" من المحرمات، إذ إنها تهديد للبشرية ومستقبلها، وأنها تُمجّد مفاهيم الجهاد والاستشهاد وتخليد الشهداء.
وما تلك إلا افتراءات وتدليس، فالمناهج أمر سيادي للدولة، وهي تراعي قيم المجتمع ومثله وعقائده، ففي الغرب تستمد المناهج نصوصا لقيمها المراد بثها في الناشئة من اللاهوت والمعرفة الإنسانية، كما أن اليونسكو لا تُملي على الدول، بل يستشار بها، وبوثائقها.
وفي دراسة تحليلية أعدّها "قسم الدراسات الإسرائيلية لدى مديرية المناهج والكتب المدرسية لوزارة التربية والتعليم الأردنية سابقاً"، ذكر وزير التربية السابق عزت جرادات إشارات عنصرية وعدوانية ضد العرب والأردن، ومنها ما جاء في كتاب طرحلة إلى الماضي"- للصف السابع الابتدائي، الذي يكرس النظرة الدونية لكل ما هو غير يهودي ويقدم أوصافا للنبي عيسى بن مريم عليه السلام، ولسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام غير لائقة ومسيئة.
كما يرد في الدراسة الأردنية أن كتاب "تحوّلات في جغرافيا الشرق الأوسط"- للمدارس الثانوية في إسرائيل، والصادر عام 1995، أي بعد اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية: "كانت إمارة شرق الأردن في بداية تأسيسها جزءاً من (أرض إسرائيل)، وقد تمّ سلخها من نظام الوطن القومي اليهودي؛ ليصبح نهر الأردن فاصلاً بين أرض إسرائيل الغربية، وأرض إسرائيل الشرقية".
هذه نماذج من تعدي إسرائيل وتطرفها تجاه العرب والأردن، وهي في ظل إبادتها لغزة، وتهديد المقدسات في القدس وزرع المستوطنات، وتوغلها في سوريا، وقصفها للبنان، واحتلال أراضيه، تريد أن يراها العالم دولة سلام!