مرصد عربي للتوجهات الإسرائيلية

مرصد عربي للتوجهات الإسرائيلية

استمع إلى المقال دقيقة

منذ مؤتمر القمة العربية الرابع الذي عقد في العاصمة السودانية الخرطوم يوم 29 أغسطس/آب 1967، صدر موقف عربي جامعٌ مانعٌ تمثل في اللاءات الثلاث وهي: "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض" مع دولة إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المسلوبة للفلسطينيين، وجاءت مقررات المؤتمر رداً على احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية جديدة في مصر وسوريا وفلسطين.

غير أن هذه اللاءات الثلاث لم تصمد كثيرا، إذ وبعد اثني عشر عاما تفاوضت جمهورية مصر العربية مع إسرائيل، ثم أبرمت سلاما معها في مقابل استعادة أراضيها المحتلة في سيناء عام 1979، حيث وقع الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء مناحيم بيغن "معاهدة كامب ديفيد" برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر.

هكذا مثلت معاهد السلام المصرية-الإسرائيلية تحولاً جذرياً في مسار الصراع العربي-الإسرائيلي نتيجة لخروج مصر من جبهة المواجهة العسكرية المباشرة.

وبعد اثني عشر عاما من توقيع معاهدة كامب ديفيد، وتحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 عُقد مؤتمر مدريد للسلام الذي دَشّن أولى مفاوضات إسرائيل مع سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، برعاية أميركية مباشرة على عهد الرئيس جورج بوش الأب، ومشاركة اسمية للاتحاد السوفياتي قبل إعلان تفككه وزواله.

وهكذا تم كسر المحظور السياسي، وأنهى مؤتمر مدريد سنوات من الرفض العربي للتفاوض المباشر مع إسرائيل، ونهاية حتمية لمقررات مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث، بل إنه فتح الباب لإجراء اتفاقيات منفردة كما حدث في اتفاقية أوسلو 1993 بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية"، ثم "معاهدة وادي عربة" بين الأردن وإسرائيل عام 1994، مع فشل المسارين السوري واللبناني في وقته، والذي يتم استعادة مسار التفاوض فيهما في الوقت الراهن في ظل ظروف سيئة للغاية.

ما أريد الوصول إليه هو أن العلاقة اليوم بين العربي والإسرائيلي قد باتت قضية إشكالية، وذات أطر مختلفة من مكان لآخر، ومن دولة لأخرى، وبالتالي صار واجبا التفكير بمنطق سياسي بعيدا عن أي عاطفة، وبمنأى عن أي شعار هَش، ذلك أن شعارات مؤتمر الخرطوم لم تصمد أكثر من اثني عشر عاما ثم بدأت في التساقط كخرزات تناثرت تباعا من حلقة واحدة؛ لاسيما وأن عديدا من الدول العربية وبخاصة دول الطوق والفلسطينيين أنفسهم، قد عقدوا اتفاقيات متنوعة مع حكومة إسرائيل، وهو ما سمح بإجراء لقاءات مباشرة بين مختلف اللجان السياسية والاقتصادية والعسكرية في هذه الدول ودولة إسرائيل، الأمر الذي شكل مدخلا ينفذ منه الراغبون في تمييع حالة الصراع وتطبيع العلاقات بشكل اجتماعي مع إسرائيل بحجة ما أشير إليه من اتفاقيات سياسية، ولذلك كان دعمهم جليا لعديد من الدول العربية التي وقّعت اتفاق سلام مع إسرائيل دون أي حاجة لذلك، ودون الالتفات لحيثيات المبادرة العربية للسلام 2002 على أقل تقدير.

وواقع الحال، فأجد من المهم التمييز بين مصطلحين سياسيين يتم تهميش أحدهما بسوء نية، وأقصد به مصطلح "السلام"، فيما يتم الترويج بخبث إسرائيلي للآخر، وأقصد به مصطلح "التطبيع"، وذلك حين الحديث عن طبيعة العلاقات العربية مع إسرائيل؛ والفرق بينهما كبير، إذ يعكس مصطلح "السلام" رؤية سياسية وقرارا سياديا تُوقعه الحكومات وفق مرئياتها ومصالحها المختلفة؛ أما "التطبيع" فأمر لاحق تقرره الشعوب بوعيها وإدراكها سواء بالموافقة أو الرفض.

العلاقة اليوم بين العربي والإسرائيلي باتت قضية إشكالية، وذات أطر مختلفة من مكان لآخر، ومن دولة لأخرى، وبالتالي صار واجبا التفكير بمنطق سياسي بعيدا عن أي عاطفة

أمام ذلك أيضا، وانطلاقا من واقع حتمي فرضته الظروف القائمة، أجد من المهم أيضا أن يكون لدينا كمجتمع (ثقافي وسياسي) وعيٌ بطبيعة المرحلة وتحدياتها في ظل عولمة ضاغطة، وبالتالي صار مهماً وإثر عقود من الصراع، أن نفرق ثقافيا وسياسيا وبالتالي إعلاميا، بين اليهودي الإسرائيلي الصهيوني وغير الصهيوني، وبين اليهودي الإسرائيلي اليميني في توجهاته السياسية والدينية، وغير اليميني، سواء كان منتمياً لليسار أو يسار الوسط، أو كان ليبرالياً في توجهه؛ ذلك أن الأول يستهدف تحقيق حلمه التوراتي القاضي بإقامة دولة إسرائيل الكبرى؛ فيما ينادي الثاني بأفكار مدنية تشي بقبوله إمكانية التعايش مع الأخر في ظل دولة واحدة، مع تطرفه أيضا بإقرار حقه في التمييز القانوني. 

هذا السياق يستدعي من مؤسسات المجتمع الرسمية أو شبه الرسمية، تأسيس "مرصد عربي سياسي وثقافي" يوثق من خلاله هُويات الكتّاب والأدباء الإسرائيليين بشكل دوري؛ لبيان توجهاتهم السياسية والإنسانية، وموقفهم من الحقوق الفلسطينية والعربية، ورأيهم في تحقيق السلام في المنطقة، وهو ما يُبرز حالة التمايز في المواقف بين الكتاب الإسرائيليين من جهة، ويُسهم في تسليط الضوء دوليا على أولئك المتطرفين اليمينيين صهاينة أو حريديم، وبالتالي يصبُّ في تعزيز خط الاعتدال في بنية المجتمع الإسرائيلي؛ والمهم أنه يضع الكاتب والأديب العربي في الصورة عندما يُستضاف في فعالية دولية بمشاركة إسرائيلية، فإن كان الإسرائيلي المشارك من اليمين وجب عليه أخلاقيا الاعتذار، وإن كان من المعتدلين المعروفين بمواقفهم الإيجابية من السلام ومختلف القضايا الإنسانية والحقوقية بحق الشعب الفلسطيني، أمكنه المشاركة بحدود إعلامية، دون انزلاق في التفاصيل أو تماهٍ في العلاقة، إذ مهمٌ أن يستمر الصمود العربي والممانعة في إطار الثقافة والرياضة وغيرها من المناشط الإنسانية في مواجهة الإسرائيلي بشكل عام، واليميني عموماً، والصهيوني بوجه أخص، إلى أن يؤمن الإسرائيليون بحتمية إحلال السلام العادل القائم على حل الدولتين، وعودة الحقوق العربية المسلوبة.

font change