انتخابات إسرائيل وحرب إيران

انتخابات إسرائيل وحرب إيران

استمع إلى المقال دقيقة

ابتدأت مسيرة الحملات الانتخابية في إسرائيل منذ الجمعة الفائتة حين حلَّ الكنيست نفسه إيذانا ببدء الصراع الانتخابي بين مختلف الأحزاب والتيارات الدينية والسياسية، وصولا إلى نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام. حيث يُقرر الناخب الإسرائيلي اسم من يقوده خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كان سيعيد انتخاب ذات القوى اليمينية المتطرفة من جديد، أم سيختار قوى سياسية أقل تشددا وأخف ضررا؟

أشير إلى أن المنطق يفرض على الناخب الإسرائيلي تغيير سمت ونهج مساره السياسي، حيث لم يُحقق له اليمين المتشدد بسياساته الأمن الذي ينشده، والاقتصاد المزدهر الذي يرجو بلوغه، بل وصار عدد من قادتهم مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية، وتلك سابقة في تاريخهم القومي، ناهيك عن تدني حالة التعاطف الشعبي العالمي مع إسرائيل ولاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا. كل ذلك يستدعي منطقا أن يقوم الناخب بتغيير سمت البلد سياسيا، بحثا عن قُوى حزبية تتمكن من إعادة التهدئة وصناعة الازدهار من جديد، وإخراج المجتمع من حالة الهلع والخوف الذي عاشه خلال الأشهر الفائتة.

غير أن أغلب مؤشرات الاستطلاع الانتخابي تشير إلى عكس ذلك، حيث يبدو واضحا أن "اليهودية السياسية" ضاربة بأطنابها في سياق المجتمع اليهودي، الذين ينقسمون بين يمين ديني ويمثلهم الحريديم، ويمين ديني متطرف وتمثلهم الصهيونية الدينية، في خفوت ظاهر لأحزاب اليسار ويسار الوسط، الذين قادوا عملية السلام في وقت مضى.

والفرق بين اليمينين كامن في طبيعة التعامل مع الآخر، فالحريديم بشقيهم الشرقي "السيفرديم"، والغربي "الأشكناز"، يهتمون بتحقيق مطالبهم الدينية الصِّرفة، دون التوغل في أي مآل سياسي للدولة حاضرا ومستقبلا، وبالتالي لا يتبنون موقفا معارضا بالكلية لأي مشروع سياسي يمكن أن يحقق السلام في المنطقة، بشرط أن تتحقق رغباتهم الدينية.

يتبنى أتباع الصهيونية الدينية مشروعا دينيا وسياسيا واجتماعيا إقصائيا، يقوم على نفي الآخر، وممارسة أبشع الصور في حقه، وتوسيع دائرة الاستيطان، والعمل على تهجير الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية وغزة

في الوقت الذي يتبنى فيه أتباع الصهيونية الدينية بشقيهم الشرقي والغربي مشروعا دينيا وسياسيا واجتماعيا إقصائيا، يقوم على نفي الآخر، وممارسة أبشع الصور في حقه، وتوسيع دائرة الاستيطان، والعمل على تهجير الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية وغزة، بل والتوسع في حدود دولة إسرائيل لبلوغ غايتهم الكبرى بتحقيق إسرائيل التوراتية، وهو ما يتضح من سلوكهم الحالي ويقومون به عبر كثير من الممارسات المُجرَّمة دوليا، كجرائم الإبادة في قطاع غزة، والحصار الممنهج لقرى الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى غير ذلك مما يمارسه ممثلوهم في الحكومة الحالية كالوزير سموتريتش وبن غفير بالإضافة إلى نتنياهو وغيرهم.

هكذا نكون اليوم أمام تحول جذري في السياق المفاهيمي، ففي الوقت الذي يحارب فيه العالم العربي أحزاب الإسلام السياسي ويقوم بتجريمها قانونا، يجري في إسرائيل دعم اليهودية السياسية ممثلة في الصهيونية الدينية، التي تجد دعما من تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة سواء من الإنجيليين أو غيرهم، الذين ينطلقون في دعمهم لإسرائيل من منظور ديني وليس سياسيا، وتلك هي الكارثة التي نعيشها والتي حذر منها الأمير تركي الفيصل في لقائه مع "سي إن إن" مع ابتداء الحرب الإيرانية الأميركية-الإسرائيلية مطلع هذا العام، والتي لا نزال نعيش أحداثها حتى اليوم.        

في هذه الحرب أشعل اليمين المتطرف بقيادة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو فتيلها في نهاية شهر فبراير/شباط باستهدافهم إيران، وتمكنوا من جرّ الولايات المتحدة معهم، كما حاولوا إقحام دول مجلس التعاون الخليجي في ثناياها، حتى إذا تم لهم ما أرادوا، انسحبوا تاركين المنطقة في أتون نار ألهبوها بأيديهم؛ لكن محاولتهم باءت بالفشل، إدراكا من المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عمان وباقي دول المجلس، لمغزى إسرائيل؛ وهو ما حدث مع الولايات المتحدة التي لم تلبث إسرائيل أن تركتها وحيدة في مواجهة إيران، التي وللأسف استمرأت الاعتداء على دول الخليج العربي بالإضافة إلى الأردن باسم مواجهة قواعد القوات الأميركية، متجاهلة أن إسرائيل أكبر قاعدة أميركية، وأنها هي من أشعل نار الحرب وقتل "مرشدهم" وكبار قادتهم.

في هذا السياق، من المؤسف أن تأتي الانتخابات الإسرائيلية والمشرق العربي في أسوأ حالاته السياسية والأمنية، فالعراق تائه لم يخرج من محنته، وسوريا تجتهد بأقصى جهدها للحفاظ على ذاتها ولملمة جروحها، ودول الخليج تغالب صبرها من تعدي جارها المسلم، والأردن ومصر مشغولتان في تحديث قواهما الاقتصادية، وتبقى المملكة العربية السعودية تحمل الشعلة عاليا بيد، وبيد أخرى تساعد وتصد وتشق الطريق لبناء مشروع تنموي يُخرج الإقليم بأكمله من وطأة أزماته المعاشة، وحتما لن يكون ذلك في وجود أي توجه سياسي بخلفية دينية سواء في إسرائيل أو الوطن العربي، فالدين لله والوطن للجميع.    

font change